الدكتور عبد الله شنفار
الكاتب والمفكر مغربي
ماذا يقصد بمفهوم الولاء؟ وماذا يقصد بالولاء مقرونا بلفظ البراء؟
قبل الخوض في هذا الموضوع المثير للجدل في المعاني وتزاحم المفاهيم المحيطة به؛ لابد من إزالة بعض الألغام من جسر المرور إلى فضاءات ومساحات واضحة المعالم في عمق مضمونه الذي يحيل إلى احتكاكه بالفعل والممارسة والواقع. فهو موضوع مركب ويتجاوز بكثير المعاني القدحية التي قد تلصق به؛ مع أنه في بعض جوانبه قد يبدو بسيطا ومألوفًا؛ لكن عند التأمل والغوص فيه بعمق؛ قد نجد فيه ما يتجاوز المفاهيم البسيطة والمألوفة، وأكثر ممَّا قد يظهر من المصطلحات والمعاني والألفاظ المتداولة؛ وذلك من منطلق أن تعدد الولاءات المتعارضة في بلد ما؛ قد يضر كثيرًا بالدولة؛ وقد يتسبب –لا قدر الله- في انهيارها؛ ومنها الولاء لأشخاص من القبائل الإدارية الذي يتعارض مع الولاء للدولة. والولاء للقبيلة والأقليات الإثنية والعرقية؛ الذي يتعارض مع الولاء للوطن. والولاء للحزب والنقابة والهيئة؛ الذي يتعارض مع الولاء للدولة. وبالتالي يتم تقديم مصالح على حساب المصلحة العامة للوطن؛ مما يقود إلى انهيار في الأركان الأساسية للدولة؛ وذلك نتيجة تنامي النزاعات والهيمنة وحب السيطرة؛ وتضخم وكثافة الأيديولوجيا؛ على حساب كل ما هو وطني.
والولاء لغةً: هو اسم مصدر من والى، يوالي، موالاةً، وولاءً. ويُطلق على عدة معانٍ منها: المحبة، والنصرة، والإتباع، والتقرب من الأشخاص، والدنو منهم وحتى الاحتماء بهم. ومفهوم الولاء مقرونًا بمفهوم البراء؛ يحيل إلى المعتقد عند المسلمين؛ والبعض يعتبره ركنًا من أركان العقيدة الإسلامية، وشرط من شروط الإيمان.
والبراء لغة: هو اسم مصدر من برئ؛ ومعناه أن يتخلّص من الحقد والكراهية والعداوة والبغضاء، ويبرأ ويتنزّه ويتباعد؛ وبرئ إذا أعذر وأنذر، ومنه ما ورد في قوله تعالى: «بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.» هذا؛ ولا يختلف الولاء والبراء في الاصطلاح الشرعي عن مدلوله اللغوي، فقد أطلق الولاء والبراء في النصوص الشرعية على عدة معان تدور كلها حول «الولاء والمحبة والطاعة والنصرة».
لقد ورثنا عن المستعمر هذه العبارة التي تقول: «يجب أن نشتغل وفق مزاج وعقلية الرئيس.»
On doit travailler dans l’esprit du chef…!; Mais doit on travailler dans l’esprit du chef; ou bien dans l’esprit de la loi et des institutions de l’Etat !?
وفي حال كان هذا العقل فارغ مملوء بالخردة والنفايات…!؟ وتزداد الخطورة في الأمر؛ لما نشتغل وفق عقلية ومزاج الأشخاص؛ وليس وفق القانون ومؤسسات الدولة؛ حيث في كل مرة يسقط فيها مسؤول كبير؛ يتطلب الأمر سنوات للتأقلم مع عقلية ومزاج المسؤول الجديد…! ولحسن الألطاف والحمد لله أن المغاربة لديهم ولاء ضمن ثالوث مقدس؛ هو: الله. الوطن. الملك. هذا الثالوث المقدس؛ محفوظ بثلاث أسرار تعتبر أَوْتَادًا لا ترى إلاَّ بنور الله؛ وهي:
1. تلاوة الحزب الراتب عقب صلاة الفجر؛
2. بركة وصفاء أولياء الله الصالحين؛
3. وإمارة المؤمنين كضابط للنسق الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي.
نحن نشاهد بلدانًا مثل السودان؛ حيث تعدد الولاءات للحركات والهيئات والأحزاب؛ والمؤسسات؛ والأشخاص؛ والطرق الصوفية؛ والحركات الدينية؛ والأقليات الإثنية؛ تبقى دائمًا مهددة في زعزعة عناصر بنيات الدولة الأساسية الثلاث؛ التي تتمحور في:
1. الوُجود.
2. والاستمرارية.
3. والبناء والتنمية والعمران والحضارة.
وبالتالي لا يسعنا إلا أن نكون في ذمة هذا الشعار: -الله الوطن الملك- ولا يَسَعُنا إلاّ أن نكون تحت ذِمّة الدولة ورحمة المؤسسة الملكية؛ وليس على ذِمّة أحد. فالبعض ينظر إلى علاقته بالناس على أساس إذلالهم؛ وذلك بسبب تضخم جنون العظمة وارتفاع جرعة (الأنانية) لديهم؛ والزيادة في منسوب العقدة الشيْطانِيّة عندهم؛ (أنا خيْرٌ مِنْه)؛ وروح الاستعلاء والاستقواء البشري التي تسكن نفوسهم. فأنا على يقين تام؛ لَوْلَا وجود هذه الأسرار الثلاثة؛ ولو أتيحت الفرصة للبعض؛ ولأعداء المغرب؛ في أية لحظة؛ لن يترددوا في حبس وقطع مادة الأكسجين عن الناس. وهنا نحتاج إلى منهج قومي لتقوية الذاكرة الوطنية الجمعية؛ والوجدان القومي؛ وفي الإبداع لإعادة بناء الشخصية المغربية. لأنه هناك قابلية ليفني بعضنا بعضًا في أية لحظة. خاصةً لمَّا يغديها الحقد والكراهية والعنصرية المقيتة وأخواتها. (اللَّهُمَّ إنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ. وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ.)
فمن خلال القيام بعملية مسح لصناعة ثقافة مركبة؛ نجد مكونات وروافد الهوية المغربية تتشكل من: الهوية العربية؛ والهوية الإسلامية؛ والهوية الأمازيغية؛ والحسانية؛ واليهودية والأندلسية؛ والمتوسطية؛ والافريقية. وبالتالي لدينا عدة مسارات كمقابل ومرآة حسب لمجموع المؤثرات الوافدة عبر الروافد ثلاثية الأبعاد:
1. مسار الأندلس والمتوسط.
2. مسار المشرق.
3. مسار الإفريقي.
تتعدد العناوين، وتتعدد النوايا -حسنها وسيئها– ولا شيء أسوأ من سيادة الشك العام وانهيار منسوب الثقة في الأشخاص؛ وبين الأشخاص؛ وفي المؤسسات؛ وفيما بين المؤسسات. فالكثير من سوء التفاهم؛ يُعزى سببه إلى ارتفاع منسوب درجة الشك وانعدام الجدية والمعقول وغياب عنصر الثقة. فحالة الصراع في بعض الدول؛ يُحِيل إلى استنتاج عام؛ كيف بحثت تلك الشعوب عن “دولة” ولم تبحث عن نموذج نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي؛ لتحقيق التعايش بين مكوناتها؛ يكون ولاؤه للوطن فقط. فأين يكمن الخلل في حال خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ!؟ هل قدرنا أن نعيش مع الكوارث كل يوم وساعة!؟ فحالة الصراع في بعض الدول؛ يُحِيل إلى استنتاج عام؛ يتجلى في فهم كيف بحثت تلك الشعوب عن “دولة” ولم تبحث عن “نموذج نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي” لتحقيق التعايش بين مكونات المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
تعدد الولاءات المتعارضة داخل الوطن الواحد؛ يؤدي إلى إحساس المرء بأزمة وُجُود وحالة من الاغتراب؛ الذي هو شعور الإنسان بأنه لا ينتمي لمحيطه، ويود لو كان في عالم مختلف غير الذي يتواجد فيه؛ بحيث يطمح إلى عالم يتطابق مع المثال الذي كونه في ذهنه. وهي أزمة كبرى في هذا العصر. لهذا وجب تقليل فجوة الاغتراب والاستلاب وأزمة الوجود؛ التي ليست مستحيلة؛ فقط تحتاج إلى عمل منظم وعمل إجرائي مرتب يشمل قوى التوجيه والتأطير في المجتمع؛ وهو ما يحتاج لقوة الدولة ومركزيتها. لأنه ليست المشكلة في حالة الإحساس بالأزمة وحالة الشعور بالاغتراب ذاته؛ بل المشكلة في إغفال نتائجها ومآلاتها وآثارها.
لو يكون فيه مؤسسة وساطة وتحكيم محايدة تأخذ نفس المسافة بين الذات والموضوع؛ ومن جميع القوى العاملة داخل أي حقل سياسي؛ لضمان تأمين عمل جميع القوى السياسية والاجتماعية والنقابية؛ ما وصلت يومًا بعض الدول إلى محاولات البحث عن الخروج من أزمة وعنق الزجاجة.
حينما نستحضر بلد كالسودان مثلا؛ فهو يحتاج إلى مشروع وطني كبير يكرس الشعور القومي؛ ويتجلى في جبهة حُنَفَاء الحضارة؛ ليس بالمعنى الإيماني عند الْحَوَارِيّين؛ بل حُنَفَاء الحضارة المعاصرين الذين يجيبون عن إشكالات الإنسان السوداني؛ وليس مشروع طائفة أو قبيلة أو حزب أو حركة أو مؤسسة عسكرية أو طريقة صوفية أو أقلية إثنية… فالأمر أكبر منهم بكثير. ففي السودان هناك ما يسمى ب: تعدد “الولاءات” في الدولة؛ والذي يضر بالحياة السياسية داخل البلد. وهذا التعدد في الولاء؛ يشمل الحزب والحركة والقبيلة والطريقة الصوفية والإثنيات والعسكر… وغيرها. فالديمقراطيات في الدولة الحديثة تقوم على المواطنة؛ ومعناه: “الولاء” القومي الوطني للدولة. وهذه الولاءات الضيقة والمتعارضة؛ تتمظهر في السمات العامة للشعوب والمجتمعات.
والديمقراطية تحيل بشكل بسيط إلى بنية اختلاف، ومصالح متناقضة لعدة طبقات وشرائح اجتماعية، في إطار تنضيد اجتماعي منسجم أو متنافر أو متعايش، والذي يضم طبقات العمال، الفلاحين، التجار، المهنيين، الموظفين، المستثمرين، المثقفين…؛ فئات اجتماعية عديدة ومتنوعة وذات مصالح متناقضة، تستطيع تنظيم نفسها بشكل ديمقراطي ومستقل عن أي تدخل خارجي.
هذه القوى تستطيع الوقوف في وجه النزعات التسلطية للدولة التي تنزع أحيانًا إلى الشطط، وهذه الأخيرة يبقى لها دور المنسق وخلق التسويات بين الفاعلين في الحقل السياسي والاجتماعي. وهنا فقط تكمن مشروعيتها كعنصر تنظيم ومواكبة؛ حيث تعمل على تأمين والضامن لعمل جميع القوى العاملة داخل المجتمع. لكن مهما اختلفت المشارب والقناعات الأيديولوجية؛ لكل واحد منَّا؛ فالوطن واحد؛ وكل كلمة خيرة تبقى مهمة في التلاحم والتعايش والتكامل والتضامن وصنع تاريخ مليء بالأمجاد.
لسنا وطنيين أكثر من الوطن؛ ولسنا ملكيين أكثر من الملك؛ لكن حبنا لهذا الوطن وحبنا للملك؛ يدفعنا للقول بأن كل شعب بأفراحه وآماله وأحزانه وآلامه، دائمًا يطمح إلى أن يكون لديه أحسن ويعرف أكثر، ويكون له وجود أقوى وقيمة أفضل في درج السلم بين الأمم وشعوب العالم.





