لماذا فشل جيل “زد” في تثبيت انتصاراته؟.. الجواب بمدغشقر

إيطاليا تلغراف متابعة

شهد العالم خلال العام الماضي موجة احتجاجات قادها شباب الجيل “زد”، من نيبال إلى مدغشقر، ومن إندونيسيا إلى بيرو، حيث خرج عشرات الآلاف من المراهقين والشباب في العشرينيات من أعمارهم للمطالبة بالتغيير.

وعبّر هؤلاء الشباب عن آمالهم وطموحاتهم بطرق هي وليدة عصرهم، فاستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائلهم وتنظيم صفوفهم، وفي نيبال استخدموا الذكاء الاصطناعي وتطبيق “ديسكورد” لانتخاب رئيسة وزراء مؤقتة.

وتبنى المتظاهرون شعار الجمجمة والعظمتين المستوحى من أنيمي قراصنة “ون بيس”، معتبرين إياه رمزا للتمرد والحرية.

التجارب التاريخية الماضية، مثل الربيع العربي، تُظهر أن إسقاط الأنظمة لا يضمن بالضرورة تحقيق التحولات المرجوة

بواسطة تقرير نيويورك تايمز

لكن بعد مرور أشهر على هذه الانتفاضات، هناك سؤال يطرح نفسه بقوة: هل نجح شباب “جيل زد” بالفعل في تحقيق تغيير حقيقي؟ ويستعرض هذا التقرير مصير احتجاجات الشباب في عدة بلدان، مع التركيز على نيبال ومدغشقر.

نيبال

ينبغي توخي الحيطة والحذر عند تقييم نتائج المظاهرات الشبابية، فالتجارب التاريخية الماضية، مثل الربيع العربي، تُظهر أن إسقاط الأنظمة لا يضمن بالضرورة تحقيق التحولات المرجوة، كما يقول تقرير لصحيفة نيويورك تايمز .

وترى الصحيفة الأمريكية في نيبال النموذج الأكثر إيجابية ونجاحا؛ فقد بدأت الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول 2025 ضد الحكومة النيبالية القائمة آنذاك بسبب تفشي الفساد والإفلات من العقاب وفرض حظر على وسائل التواصل الاجتماعي. ونتجت عنها الإطاحة بالحكومة خلال يومين.

وبعد 6 أشهر تقريبا انتخب باليندرا شاه (35 عاما) ليصبح رئيسا لوزراء نيبال، وأدى اليمين الدستورية في أبريل/نيسان 2026، علما أنه كان عمدة لكاتاماندو واشتهر أيضا بكونه مغني راب سابق سلط الضوء على الهجرة وقضايا الفساد السياسي.

تغيرات ملحوظة

وتوسّع الصحيفة تغطيتها لنيبال في تقرير مطول آخر بعنوان “سنحوّل الصدمة إلى شيء جميل”، لتوضح أن هذا التحول جاء بعد كلفة بشرية عالية، حيث قُتل عشرات المحتجين خلال المواجهات مع قوات الأمن.

ومع ذلك، تمكّن الحزب الشبابي الحاكم حاليا “راستريا سواتانترا” من تحقيق أغلبية ساحقة، وارتفعت نسبة النواب تحت سن الثلاثين إلى نحو 10%، مقارنة بأقل من 2% في البرلمان السابق.

كما أصبح ثلث وزراء الحكومة من النساء، في مؤشر على تحول عميق في المزاج السياسي.

وتشير الصحيفة إلى تعيين خبير اقتصادي سابق في البنك الدولي وزيرا للمالية، وناشط اجتماعي – سودان غورونغ – وزيرا للداخلية، مما يعكس توجها نحو الكفاءة بدلا من الولاءات الحزبية.

وعلى صعيد التغييرات الاقتصادية، جعلت الحكومة الفحوص الطبية اللازمة للعمل في الخارج أقل تكلفة، وبدأت بملاحقة الشركات الوسيطة المسؤولة عن سفر العمالة النيبالية، إذ اتهمت هذه الشركات بفرض رسوم باهظة وابتزازية على الشباب، طبقا للصحيفة.

تعهدت الحكومة الجديدة بتوفير 1.2 مليون وظيفة محلية لتقليل الاعتماد على الهجرة، وتطوير نظام حكومي رقمي بالكامل لتقليل البيروقراطية والفساد

ويلفت التقرير إلى أهمية هذا التغيير للقوة العاملة، إذ يعمل 10% من إجمالي السكان في الخارج، ويعمل 1.7 مليون نيبالي على الأقل في دول الخليج بقطاع الإنشاءات والأمن، وتمثل تحويلات المغتربين ربع إجمالي الناتج المحلي لنيبال.

وفي ظل توجه كثير من الشباب إلى الخارج، تعهدت الحكومة الجديدة بتوفير 1.2 مليون وظيفة محلية لتقليل الاعتماد على الهجرة، وتطوير نظام حكومي رقمي بالكامل لتقليل البيروقراطية والفساد، بحسب التقرير.

تحديات مستقبلية

ولكن خلف هذا النجاح يظل الألم حاضرا؛ فكثير من المشاركين في الثورة ما زالوا يتحدثون عن “صدمة جماعية” خلفتها المواجهات مع قوات الأمن، التي أودت بحياة العشرات وأحرقت آلاف المباني، وفق ما نقلته الصحيفة.

ورغم الوعود بإصلاحات واسعة، لا تزال نيبال تعاني من هجرة الشباب بحثا عن فرص عمل، نتيجة محدودية الاقتصاد المحلي.

يحذر سانجيف هيوماجين، عالم السياسة في جامعة نيبال المفتوحة، من “فكرة المخلص الواحد أو الإله الذي لا تنطبق عليه القواعد”

كما يحذر البعض من الانسياق وراء القائد الجديد وكأنه مخلص منزل من السماء لا تشوبه شائبة، وفق التقرير، لأن ذلك يهدد بعودة الحصانة السياسية والاجتماعية التي كانت تحيط بالحكومة السابقة.

وفي هذا الصدد نقلت الصحيفة تحذير سانجيف هيوماجين، عالم السياسة في جامعة نيبال، من “فكرة المخلص الواحد أو الإله الذي لا تنطبق عليه القواعد”.

ويضيف هيوماجين أن الشعب “بحاجة إلى زعيم محنك خبير في الحوكمة والأعمال البرلمانية والعمل الجماعي وليس مجرد شعبوي يقول فليسقط النظام القديم”.

ويشير أحد المشاركين في الاحتجاجات إلى أن التحدي الحقيقي الآن -الذي ينظر إليه الكثيرون بتفاؤل- يكمن في تحويل الزخم الثوري إلى سياسات ملموسة تحسّن حياة المواطنين.

مدغشقر

وتبدو الصورة أكثر تعقيدا في مدغشقر؛ فبحسب نيويورك تايمز ، أدت احتجاجات جيل زد إلى فرار الرئيس من البلاد وصعود قائد عسكري إلى السلطة بدعم من الشارع، غير أن تقريرا لصحيفة غارديان يكشف أن هذا التحول سرعان ما أثار مخاوف جديدة.

وقد شنت السلطات يوم 12 أبريل/نيسان حملة اعتقالات طالت 4 قادة ونشطاء من حركة “الجيل زد في مدغشقر” بعد مشاركتهم في احتجاجات تطالب بتحديد موعد للانتخابات، طبقا للصحيفة البريطانية.

ووُجهت للمحتجزين تهم خطيرة مثل “تقويض أمن الدولة” و”المؤامرة”، وهو ما ينفيه المحامون تماما، بحسب ما نقلته غارديان.

وكانت احتجاجات مدغشقر قد بدأت في سبتمبر/أيلول 2025 واستمرت لأسابيع ضد حكومة الرئيس أندري راجولينا، وأدت في النهاية إلى فرار الرئيس من البلاد، ثم وصول قيادة عسكرية إلى الحكم بدعم من المحتجين.

وجوه الحكومة القديمة

وتقول الصحيفة البريطانية إن حالة من الإحباط سيطرت على شباب “الجيل زد” في أنتاناناريفو بعد أن تبين أن النظام العسكري الجديد قد لا يختلف عن النظام السابق الذي أطاحوا به.

كثير من الشباب الذين احتفلوا بسقوط الرئيس السابق باتوا يشعرون بخيبة أمل والضيق، بسبب استمرار نفوذ شخصيات مرتبطة بالنظام القديم

وقد أعلنت رئاسة مدغشقر نهاية مارس/ آذار الماضي تشكيل الحكومة الجديدة، بقيادة الرئيس مايكل راندريانيرينا ورئيس الوزراء الجديد ماميتينا راجاوناريسون. وضمت التشكيلة الحكومية 30 وزيرا، بينهم 13 وجها جديدا، في حين احتفظ 17 وزيرا بمناصبهم السابقة.

وتوضح غارديان أن كثيرا من الشباب الذين احتفلوا بسقوط الرئيس السابق باتوا يشعرون بخيبة أمل والضيق، بسبب استمرار نفوذ شخصيات مرتبطة بالنظام القديم وغياب الإصلاحات الاقتصادية.

وتؤكد الصحيفة أن مطالب الشباب لا تقتصر على تحديد موعد الانتخابات، فهم يطالبون بدستور جديد وإصلاحات انتخابية تمنع سيطرة أصحاب المال على السلطة.

بيرو

وفي بيرو، يقدّم تقرير نيويورك تايمز مثالا على تعقيد المشهد السياسي. فقد خرج الشباب إلى الشوارع احتجاجا على الفساد وتدهور الأمن، مما أدى إلى إقالة الرئيسة دينا بولوارتي، ثم عزل خليفتها المؤقت خوسيه خيري بسبب مزاعم بالفساد بعد 4 أشهر فقط من توليه منصبه.

غير أن التقرير يؤكد أن هذه التطورات تعكس حالة عدم استقرار مزمنة أكثر من كونها انتصارا واضحا لجيل زد.

ويضيف أن البلاد شهدت اضطرابات سياسية أدت إلى تعاقب تسعة رؤساء في عقد دون إكمال ولاياتهم. وفي هذا السياق، يصعب فصل دور الاحتجاجات الشبابية عن الأزمة السياسية الأوسع التي تعاني منها البلاد.

وانتخب بعد خيري النائب خوسيه ماريا بالكازار رئيسا مؤقتا جديدا للبلاد بينما  تجري الآن انتخابات جديدة. ويراقب المجتمع الدولي التطورات الحالية باهتمام، كون بيرو ثالث أكبر منتج للنحاس في العالم، وفي ظل تنافس متزايد على النفوذ في المنطقة بين الولايات المتحدة والصين.

إندونيسيا والفلبين

أما في إندونيسيا والفلبين، فقد أظهرت الاحتجاجات قدرة الشباب على الضغط، ولكن بحدود.

فوفقا لنيويورك تايمز ، نجح المحتجون في إندونيسيا في دفع الحكومة إلى التراجع عن بعض الامتيازات الممنوحة لأعضاء مجلس النواب، بعد خروج مظاهرات واسعة في أغسطس/آب 2025 احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي الفلبين، اندلعت احتجاجات مماثلة في سبتمبر/أيلول 2025 ضد الفساد، لكنها لم تؤد إلى تغييرات جوهرية في بنية السلطة. ويشير التقرير إلى أن النخب السياسية التقليدية لا تزال تهيمن على المشهد، رغم تاريخ البلدين في إسقاط أنظمة استبدادية عبر الحراك الشعبي.

المغرب وكينيا وتوغو

وسلط التقرير الضوء على الاحتجاجات الشبابية في المغرب، حيث تؤكد الصحيفة أنها كانت مدفوعة بارتفاع نسبة البطالة وتدهور الخدمات العامة.

غير أن النتائج، بحسب نيويورك تايمز ، كانت محدودة، إذ واجهت السلطات هذه التحركات بإجراءات أمنية مشددة.

ويضيف التقرير أن هذا النمط تكرر في دول أخرى مثل كينيا وتوغو ذات الكثافة الشبابية العالية، حيث قوبلت الاحتجاجات بالقمع، مما أدى إلى تراجع زخمها دون تحقيق مطالبها الأساسية.

بنغلاديش

وتعد بنغلاديش حالة مهمة لكونها تمثل أول نجاح بارز لثورة يقودها جيل زد عام 2024، ولكن النتائج الآن تبدو غامضة، بحسب نيويورك تايمز.

وقد أدى رئيس الوزراء الجديد في بنغلاديش، طارق رحمن، (60 عاما) في فبراير/شباط الماضي، اليمين الدستورية على رأس أول حكومة منتخبة منذ احتجاجات عام 2024 التي أطاحت برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، بعدما حكمت البلاد لفترتين امتدت الثانية منهما قرابة 15 عاما.

وتشير نيويورك تايمز إلى أن الحزب الحاكم وعد بإصلاحات واسعة، لكنه تباطأ في تنفيذها حتى وقت كتابة التقرير. وهو ما يعكس صعوبة ترجمة الزخم الثوري إلى تغييرات مؤسسية دائمة، بحسب الصحيفة.

جيل زد نجح في تحريك المشهد السياسي عالميا، وكسر حالة الجمود في عدة دول، غير أن قدرته على تحقيق تحول مستدام لا تزال محدودة

في المحصلة، تكشف هذه التجارب، كما تعرضها التقارير، أن جيل زد نجح في تحريك المشهد السياسي عالميا، وكسر حالة الجمود في عدة دول.

غير أن قدرته على تحقيق تحول مستدام لا تزال محدودة، في ظل مقاومة النخب الراسخة وتعقيد الأنظمة السياسية.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...