عن الرقابة بمناسبة فيلم باربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

سوسن جميل حسن
كاتبة وروائية سورية.

شاركت قبل أشهر في واحدة من حلقات البرنامج الثقافي “متون وهوامش” على شاشة تلفزيون العربي 2، وكان موضوعها عن الرقابة على الخيال والإبداع الأدبي، مع ضيفين من الأردن وتونس، قدّما أفكارًا مهمة وطرحا أسئلة عديدة بشأن هذا الموضوع الإشكالي القديم الجديد، المتجدد باستمرار. ورجعت بعد الجلسة الحوارية مسكونة بالأسئلة أكثر حول إلى أي مدى يمكن أن تصل حرية التعبير، أو رحابة الخيال، أو الحقّ في القول والابتكار؟ وما هي السلطة التي يحق لها أن تتدخل في هذا النشاط الإنساني؟ وما هي المعايير العامة التي تشكّل خطوطًا حمراء؟ وما معنى الأخلاق، القيم، الأعراف، الضمير، الأمان المجتمعي، الأمن الوطني، هيبة الدولة، وكيف يكون المساس بها، وأين هي حدود الحرية الفردية؟ وغيرها كثير مما يدور في بالي وبال كثيرين غيري.

استدعت هذه المقدمة الضجة والصخب اللذين أحدثهما فيلم “باربي” من إخراج غريتا غيروغ وبطولة مارغو روبي ورايان غوسلينغ، وقرارات المنع التي تتوالى في بلدان عديدة، منها لأسباب تستند إلى القيم والأخلاق والأمن المجتمعي، والهويّة، كما في بعض الدول العربية، ومنها لأسباب سياسية، كما المنع في فيتنام.

لم أحظَ بعد بفرصة مشاهدة الفيلم، لكنني قرأت كثيرًا مما كتب عنه، وما اجتهد بشأنه مؤثّرون على منصّات التواصل الاجتماعي. ومن خلال تلخيصات بعضهم، يمكنني القول، فيما لو كان التلخيص دقيقًا، إنه لعبة خيال تقدّمها سردية سينمائية، لعبها كثيرون قبل الفيلم، إن كان في السينما أو الأدب، فاستدعاء شخصيات حقّقت حضورًا مؤثّرًا، واقعية أو متخيّلة من أبطال روايات أو أفلام أو مبدعين أو شخصيات أخرى، من التاريخ أو من الحاضر، إلى لحظتنا الراهنة، ومنحها أدوارًا في لعبة خيال مبتكرة، هو تجربة إبداعية وشكل من أشكال منتج الخيال الإنساني المفتوح على احتمالاتٍ بلا حدود، وهذا ما يميز العقل البشري ويجعل من الإنسان كائنًا متفوقًا على باقي الكائنات الحية، بغضّ النظر عمّا نجم وينجم عن هذا التفوّق والأنانية في التصرّف بالكوكب.

ما إن تكتب على المتصفح كلمة “باربي” حتى تفتح أمامك صفحة يطغى عليها اللون الزهري، تصاحبه أحيانًا رشقات نجوم كشهب الألعاب النارية، ثم تتلاحق العناوين، فيلم شغل العالم، وأحدث سجالًا غزيرًا وكثيفًا، من أميركا، بلد الإنتاج، إلى أقصى بقاع الأرض، فالعالم لم يعد معزولًا بعضه عن بعض، صار مفتوحًا بما يشبه مفازات الهواء، تحمل الهواء، وربما تحمل تيارات عاتية. والفطن والذكي والمسلح بالمعرفة هو من يستطيع التعامل معها واحتواءها، أو مقاومتها في الزوايا التي يمكن أن تهدّد وجوده، لكن لا يمكنه إغلاقها، فهي مفتوحة تجعل من العالم حجراتٍ في نزلٍ كبير كبر الكون، وليس الأرض فحسب.

منع المنجز الإبداعي ورفضه والوصاية عليه ومصادرته وملاحقته ومراقبته ومراجعته، والتهديد بأقصى العقوبات التي قد تصل إلى حدّ القتل، وقد وصلت، في أحيان عديدة، بحق من يسمح لخياله المبتكر بأن يتمادى ويحلّق في فضاءات الفكر والفن والأدب، بل وفضاء العلم أيضًا، تمارس من الأنظمة المستبدة، فحتى العلوم لا تسلم في ظل سلطات تحاصر العقل البشري، وما يهدّد عرش هذه السلطات الطاغية يصل إلى حدّ الشرك بالله أو بالحاكم الوحيد الأوحد، ظلّه على الأرض، حتى لو كان اكتشافًا علميًّا، أو تفسير قانون من قوانين الطبيعة، فكيف لخيالٍ أن يبدع تحت سطوة هذه القوى المستبدة بجموع البشر؟

الفارق بيننا وبين الدول الأخرى أننا ندفن رؤوسنا بالرمال كي لا نرى الواقع

إن تاريخنا يحتفظ، مما بقي ولم يحرق أو يتلف ويحاكم أصحابه، بكنوز من منجزات الابتكار والخيال والإبداع، خصوصا لناحية الكتابة بكل أشكالها السابقة، شكلت وجهًا مهمًّا من وجوه الثقافة في مراحلها الزمنية، وعندما كانت أمور “الأمّة” وأحوالها أفضل من اليوم بكثير، لم تكن تخدش الحياء العام في حينها، ولم تعدّ خارجة عن مألوف ثقافة المجتمعات وأعرافها وتقاليدها، وحتى عقائدها، بل مورست عليها رقابة جائرة فيما بعد، عندما بدأ الانحدار والتراجع عن اللحظة الحضارية الإنسانية، وراحت أدوات الرقيب تعمل بها وتحاول تقطيعها “خوفًا على تماسك الأمة أو المجتمع، وأمنها وهويتها”، فلماذا هذا الهلع والخوف وانعدام الثقة بالنفس وبتماسك شخصية الفرد والمجتمع، على الرغم من أن الفخر والاعتداد بالنفس، والنسب والقبيلة والجماعة والعشيرة، وأخيرًا بالأمة، كان أكثر ما يصدح به الأفراد والجماعات، حتى صرخ شاعرٌ (ميخائيل نعيمة) من منفاه تحت ضغط الحنين، مشفوعًا بالاعتزاز بالنسب: سقف بيتي حديد/ ركن بيتي حجر، فاعصفي يا رياح/ وانتحب يا شجر، واسبحي يا غيوم/ واهطلي بالمطر، واقصفي يا رعود/ لست أخشى الخطر.

لكن الخطر ماثلٌ في حياتنا في كل لحظة، هكذا تذكرنا أنظمتنا الدينية والاجتماعية والسياسية، وتنّبهنا إلى أنها الحامية لحياتنا، الضامنة لعيشنا، المتكفلة بمستقبل أولادنا، المتوكّلة بتمهيد الطريق إلى جنان الدنيا والآخرة، فماذا تفعل أمام انهياراتنا ومصادرة حقوقنا وزجّنا في لجّة العدم؟ كيف تقنعنا بأن سقف بيوتنا من حديد وأركانها من حجر، مع أنها أوهن من بيت العنكبوت؟ ألا ترى كيف حال الشعوب تحت سلطانها وطغيانها من مهانة ومذلّة وفقر وجوع ويأس وهروب من الأوطان؟ هل حمى هذا الطغيان وتلك السطوة والقبضة الحديدية من الجريمة بكل أشكالها؟ أليست الأمراض التي تتفاقم في هذه المجتمعات دليلًا دامغًا على تهتك المنظومات القيمية والمعرفية وعلى هشاشة الأخلاق أمام تهديد الحياة؟ هل حمت هذه الرقابة السلطوية بأقصى أدواتها وعنفها من اغتصاب الأطفال والطفولة؟ هل حمت النساء من العنف والاغتصاب والظلم، وحقّقت الاعتراف بهن كائنات فاعلة في الحياة ولهن حقوق؟ هل حفظت كرامتهن وكبرياءهن؟ هل حمت الأسرة من التفتت والانهيار أمام تحدّيات الحياة البائسة التي أوصلت الشعوب إليها؟ هل صانت كرامة مواطنيها وحياتهم؟ هل ما تمارسه هذه السلطات من فساد وانتهاك للحقوق وكم للأفواه واعتقال للحريات وهدر الأموال العامة وتعطيل مؤسّسات الدولة والاعتداء على السلم الأهلي وكل أشكال الجرائم بحق شعوبها يصنف في خانة الأخلاق العامة والقيم وتماسك الجماعة؟

طغاة أوصلوا شعوبهم إلى هذه الهشاشة، سيرعبهم بالتأكيد الإبداع الذي يبتكره الخيال الإنساني الحرّ

تعاني مجتمعاتنا العربية ما يكفيها لمستقبل بعيد من المشكلات المتجذرة التي تزداد رسوخًا، حتى تلك المشكلات التي تتهم سلطاتنا القائمة، بكل أشكالها، دول الغرب بأنها تستهدفنا بها كالمثلية والتحوّل الجندري، وما تسميه تفكك الأسرة، موجودة وتتفاقم، لكن الفارق بيننا وبين الدول الأخرى أننا ندفن رؤوسنا بالرمال كي لا نرى الواقع، هذه المظاهر التي تعدّها تهدد قيمنا وهويتنا وأسرتنا التي نتفاخر بمتانتها ونزاهتها، مع أنها تنهار كغيرها، من الواجب والمجدي الاعتراف بها عتبة أولى من أجل تفكيكها والوقوف على ماهيتها، وهل هي مشكلات لها مسبّباتها الخارجة عن التكوين العضوي، أم إنها شكل أقلوي من هذه التراكيب العضوية الخاصة بالجنس البشري، ومن الجدير دراستها والبحث عن سبل التعامل معها، بدلًا من تجريمها وتطبيق أقصى العقوبات بحقها، الفارق بيننا وبين تلك المجتمعات يكمن في الاعتراف بالواقع ودراسته، وفسح المجال لكل شرائح المجتمع كي تساهم في تنظيم المجتمع وإدارة الحياة، الفارق في ترسيخ معنى الحرية بكل ما تحمل من مسؤولية أيضًا، ومفهوم الديمقراطية ومنح الفرص بالتساوي لكل فرد في المجتمع، كي يشارك في وضع المعايير والضوابط اللازمة من أجل حياة اجتماعية مستقرة ومنتجة.

أساس المجتمعات المتماسكة والدول المستقرّة القوية هو الفرد، عندما يُبنى الفرد على أسس سليمة، بتوفير الظروف المناسبة لبناء عقله وتعليمه كيف يطرح السؤال، وأن يشكّك في كل مسألة حتى يفككها ويفهمها ويقبلها، وعندما يفسح المجال لخياله المبدع، عندها يمكن الحديث عن بناء مجتمع، وبالتالي، بناء دولة حديثة تحكمها حكوماتٌ تمثل الشعب بكل فئاته وشرائحه، هدفها وغايتها الإنسان، حكومات ليست خاضعة لحزب وحيد أو فئة وحيدة تحتكر السلطة، حكومات يقودها رجال دولة حقيقيون، وليس رجال سياسة يسعون إلى تحقيق أهداف وأجندات أحزابهم أو جماعاتهم أو طوائفهم. عندها فقط، يمكن التخلص من الهشاشة التي يعرفها طغاتنا تمام المعرفة، سياسيين كانوا أم دينيين أم اجتماعيين، هذه الهشاشة التي يبتكرون أدواتها ويمعنون في استخدامها بحقنا، فهم يعرفون تمام المعرفة لاشرعيتهم، وأنهم كابوسنا الحقيقي، وأن الشعوب مهما استكانت، لا بد أن تنتفض لكرامتها وكينونتها، حتى لو دفعت باهظ الأثمان.

طغاة أوصلوا شعوبهم إلى هذه الهشاشة، سيرعبهم بالتأكيد الإبداع الذي يبتكره الخيال الإنساني الحرّ، سيهزّ عروشهم ويهدد سلطانهم، لذلك ستبقى رقابتهم بندقية مصوبة إلى الأدمغة وسكاكين مسلطة على الرقاب، بدعوى حماية المجتمع والأسرة والهوية وعزيمة “الأمة”.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...