نظرية الاستقرارالاجتماعي :قرءاة في سورة الحجرات

 

 

 

 

ذ.محمد عمر أحمد
باحثٌ وقاضٍ من الصومال

 

هذه السورة التي لا تتجاوز ثماني عشرة آية، سورة جليلة ضخمة، تتضمن حقائق كبيرة من حقائق العقيدة و الشريعة، ومن حقائق الوجود والإنسانية. حقائق تفتح للقلب وللعقل آفاقا عالية وآمادا بعيدة وتثير في النفس والذهن خواطر عميقة ومعاني كبيرة و تشمل من مناهج التكوين والتنظيم، وقواعد التربية والتهذيب، ومبادئ التشريع والتوجيه، ما يتجاوز حجمها وعدد آياتها مئات المرات !
وتهدف هذه المقالة المقتضبة إلى بيان اشتمالها على منظومة متكاملة من المقومات الأساسية لتحقيق السكينة والأمن الاجتماعي، بما يمكن تسميته ب(نظرية الاستقرار الاجتماعي) الاستقرار الذي هو مطمح كل الأمم الذي من أجله تقام الدول ، وتؤسس الأجهزة ، وتموَّل الجيوش حيث تحفظ كرامة الإنسان ، وتصان مصالحه، ويكون فيها وجه الحياة بشوشا جميلا.

ومن عناصر هذه النظرية ما يلي:
أولا: وجود السلطة العليا التي تتولى التشريع ، والتي من شأنها تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع ووضع قواعد الأخلاق، والقيم والموازين التي على أساسها يكون التعامل، وهذه السلطة العليا يجب الإذعان لتعاليمها وهذا واضح من قوله تعالى ( ياءيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) [ الحجرات:1].
ثانيا: وجود السلطة الوزاعة التي تمنع الظلم وتقيم الميزان، وتصحح الأخطاء بالقوة حين يلزم استخدامها، وإذا فقدت السلطة والقوة الضابطة فإن الجميع يتساوى وهيهات أن يحدث استقرار ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات: 9] فلو تصورنا تساوي الجميع ، وغياب هذه السلطة الرادعة فمن يأخذ الحق من الظالم ويرجعه إلى المظلوم ؟!.

ثالثا: بيان منهجية تلقّي الأخبار التي لها أثر كبير في تماسك المجتمع، وفي ذلك محاصرة للشائعات، وضبط وسائل الإعلام لتؤدي دورها في تحقيق الأمن الفكري ،وهذا واضح من قوله تعالى ( ياءيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [الحجرات:6] فأخبار الفاسقين، سببٌ رئيسٌ في الصراعات والمشاكل الاجتماعيّة التي تعصف بالمجتمع ،وإصابة الناس بجهالة بالإضرار بهم بوجه من الوجوه غالبا ما تكون نتيجة طبيعية للتأثر بشائعات منتشرة في المجتمع.
رابعا: التوعية بالرابطة الاجتماعية الأكثر أهمية وتأثيرا، وهي هنا الرابطة العقدية والأخوة الإيمانية والتي تستدعي التناصر والتآزر، لا التقاتل والتنازع ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) [ الحجرات:10].

خامسا: إشاعة الأخلاق الحسنة من التقوى، والصدق، والتواضع ، والصبر، والحياء، والتثبت، والنصرة والنجدة، والإصلاح بين الناس، والعدل والقسط في إدارة العلاقات، ورعاية الحقوق والواجبات، والتآخي في الله، واحترام الناس وتوقيرهم، وحسن الظن، وستر المسلم على أخيه، والبذل والسخاء، والتعارف والتآلف، والقول الحسن.
سادسا: النهي عن الأخلاق الذميمة كالسخرية، والتنابز بقبيح الألقاب ، وسوء الظن والتجسس والغيبة وغيرها من مهدِّدات النسيج المجتمعي ، فإن الحروب غالبا ما تنشأ من كلام جارح، هادم للعلاقات ، ثم تسخير ذلك لوسائل الاعلام، وهذا يتطلّبُ وضع آليات ووجود تشريعات رادعة لمن يتجاوز حدود الأخلاق الحسنة، ويخالف موجباتها، إلى الإضرار المعنوي والمادي، إذ لا ينفع رسم الحدود الأخلاقية بدون معاقبة لمن يتعداها.

سابعا: ازالة أسباب الحرب من القلوب التي هي محل التصورات ، ومنبع الارادات، من خلال البناء المعرفي ، وتصحيح العلاقات بين أفراد المجتمع ، فقد بينت السورة المساواة بين بني ادم، ووحدة الأسرة الإنسانية التي نشأت من ذكر وأنثى ثم تطورت إلى شعوب وقبائل، ووضعت معيار التفاضل الذي هو التقوى، وما يكتسبه الإنسان من فضائل وليس بالآباء والأجداد، وفي هذا منع للطبقية وإزالة أسباب التعالي والشحناء والظلم (ياءيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [ الحجرات: 13]
ثامنا: استخدام أسلوب وقائي يحصن من مسببات الاضطراب الاجتماعي، من تصحيح التصورات، وتقديم المعلومات الصحيحة للناشئة، واتخاذ سياسات وقائية كنشرالأخلاق الحسنة، والمنع من الإشاعات، وانتشار الألفاظ البذيئة، والاتهام في وسائل التواصل وغيرها.

تاسعا: الإيجابية بالتحرك نحو الإصلاح واتخاذ وسائل علاجية بعد وقوع الحروب بين الأفراد وطوائف المجتمع، ويقصد بالإصلاح ترميم ما تقطع من العلاقات ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) [ الحجرات: 9 ] فلا تترك الوشائج الأخوية عند الانقطاع على حالتها بل يجب إعادة الأمر إلى نصابه، وجبر المصاب، وإرجاع الحق أهله، لإزالة أسباب التوتر والشحناء، وإلا لم يوجد ثم إصلاح.
عاشرا: البناء الإيماني والروحي لأفراد المجتمع، باعتباره مِلاكُ الأمر، والسلك الناظم لأمهات الأخلاق ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) [ الحجرات:15].

فهذه منظومة أخلاقية ومبادئ سامية تضمنتها سورة الحجرات العظيمة، دلت على روعة القرآن العظيم وإعجازه ، ودلَّت على رحمة الله بعباده ومن أجلها أرسل الرسل الكرام.
وهكذا ترشد السورة الى ضرورة العمل الجاد، واتخاذ الأسباب وليس الاكتفاء بالأماني فان تحقيق الانسجام، والاستقرار الاجتماعي شَهد دونه الابر!! كما قال القائل: تريدين لقيانَ المعالي رخيصةً … ولابدَّ دون الشَّهد من إبر النحلِ.

وما أجمل تلك المبادئ لو وجدت الفهم والتطبيق السليم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...