من الحبوب والفوسفاط إلى التكنولوجيا والاستثمار.. المغرب والأرجنتين يفتحان صفحة اقتصادية جديدة بعد وصول المبادلات إلى 1.5 مليار دولار

إيطاليا تلغراف متابعة

عزز المغرب والأرجنتين خلال الأيام الأخيرة مسار التقارب الاقتصادي بينهما، بعدما احتضنت العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس أشغال الدورة الثامنة للجنة المشتركة المغربية الأرجنتينية التي شكلت مناسبة لتأكيد إرادة البلدين في إعطاء دفعة جديدة للعلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية واستكشاف مجالات تعاون جديدة تتجاوز المبادلات التقليدية نحو شراكات أكثر تنوعا في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والفلاحة والخدمات.

وتأتي هذه الدينامية في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية وتزايد أهمية الشراكات العابرة للقارات، ما يجعل من التقارب المغربي الأرجنتيني رهانا اقتصاديا وجيوسياسيا يتجاوز مجرد رفع حجم المبادلات التجارية.

وخلال أشغال الدورة الثامنة للجنة المشتركة المغربية الأرجنتينية التي انعقدت في بوينس آيرس، جدد المغرب والأرجنتين التأكيد على إرادتهما السياسية المشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة اقتصادية أكثر دينامية وعمقا، تستجيب للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتستثمر الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها البلدان.

وفي هذا السياق، أجرى فؤاد يازوغ، السفير المدير العام للشؤون السياسية الدولية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، سلسلة مباحثات مع كبار المسؤولين الأرجنتينيين، تمحورت حول سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري وتوسيع مجالاته نحو قطاعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية.

وأكد الجانبان خلال هذه المباحثات متانة روابط الصداقة والتعاون التي تجمع الرباط وبوينس آيرس منذ عقود وأعربا عن عزمهما مواصلة تطوير الشراكة الثنائية عبر تكثيف الحوار السياسي المنتظم وتعزيز قنوات التشاور والتنسيق، وتشجيع الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الاستثمارية في البلدين على استكشاف فرص تعاون جديدة كما شددا على أهمية الحفاظ على الآليات المؤسساتية القائمة لمواكبة التحولات الاقتصادية الدولية المتسارعة، وتحديد المشاريع المشتركة ذات الأولوية في إطار تفعيل مقتضيات اتفاقية التعاون التجاري والاقتصادي والفني الموقعة بين البلدين سنة 1978 والتي تشكل المرجعية الأساسية للعلاقات الاقتصادية المغربية الأرجنتينية.

وترأس الجانب الأرجنتيني في هذه الدورة كل من وكيل وزارة الخارجية المكلف بالمفاوضات الاقتصادية الدولية والتكامل السفير روبرتو سيلفيا، ووكيل وزارة الخارجية المكلف بالسياسة الخارجية خوان مانويل نافارو، فيما ترأس الوفد المغربي فؤاد يازوغ، الذي استعرض خلال المباحثات الإصلاحات الاقتصادية الكبرى التي باشرها المغرب خلال السنوات الأخيرة والمؤهلات التي باتت تجعل المملكة منصة صناعية ولوجستية واستثمارية تربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية مؤكدا استعداد الرباط لمواكبة أي مبادرات أو مشاريع من شأنها إعطاء دفعة جديدة للتعاون الاقتصادي بين البلدين وتحويله إلى شراكة أكثر تنوعا واستدامة.

ويكتسي هذا التقارب أهمية خاصة بالنظر إلى استمرار الزخم التجاري بين المغرب والأرجنتين خلال السنوات الأخيرة، فبعدما لامست المبادلات الثنائية سقف 1.5 مليار دولار سنة 2022 مسجلة ارتفاعا بنسبة 48 في المائة مقارنة بسنة 2021 أظهرت معطيات سنة 2025 أن العلاقة التجارية بين البلدين حافظت على مستوى مهم من الدينامية إذ بلغت صادرات الأرجنتين إلى المغرب 666.41 مليون دولار، مقابل واردات أرجنتينية من المغرب بقيمة 425.70 مليون دولار، بما يرفع إجمالي المبادلات إلى حوالي 1.09 مليار دولار.

ويعكس هذا الرقم رغم تراجعه عن ذروة 2022، استمرار انتقال العلاقات الاقتصادية بين الرباط وبوينس آيرس من تعاون تجاري ظرفي إلى شراكة منتظمة تقوم على تبادل منتجات استراتيجية مرتبطة بالأمن الغذائي والصناعات الفوسفاطية والمنتجات الصناعية.

كما سجلت الصادرات المغربية نحو الأرجنتين حضورا لافتا خلال سنة 2025 إذ بلغت، وفق قاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية نحو 425.70 مليون دولار وتصدرتها الأسمدة بقيمة 302.09 مليون دولار متبوعة بالسيارات ومكوناتها بـ39.01 مليون دولار، ثم مواد الملح والكبريت والأحجار والجير والإسمنت بـ36.41 مليون دولار والمعدات الكهربائية والإلكترونية بـ21.41 مليون دولار ويؤشر هذا التوزيع إلى أن الحضور المغربي في السوق الأرجنتينية لم يعد محصورا في المنتجات الخام أو التقليدية بل بات يرتكز أساسا على الفوسفاط ومشتقاته، إلى جانب منتجات صناعية أكثر تنوعا.

وفي الاتجاه المقابل، بلغت صادرات الأرجنتين إلى المغرب سنة 2025 ما مجموعه 666.41 مليون دولار، وتوزعت أساسا بين الحبوب بقيمة 225.92 مليون دولار والدهون والزيوت الحيوانية والنباتية بـ160.97 مليون دولار وبقايا ومخلفات الصناعات الغذائية وأعلاف الحيوانات بـ22.17 مليون دولار فضلا عن منتجات غذائية وفلاحية أخرى.

ويستند هذا النمو إلى تكامل اقتصادي واضح بين البلدين، فالأرجنتين تعد من أكبر المنتجين العالميين للحبوب واللحوم والزيوت النباتية والمنتجات الزراعية، بينما يبرز المغرب كفاعل رئيسي في الصناعات الفوسفاطية والأسمدة والطاقات المتجددة وصناعة السيارات والطيران والخدمات اللوجستية ويتيح هذا التكامل فرصا مهمة لتطوير مشاريع مشتركة في مجالات الأمن الغذائي والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة الزراعية والصناعات الكيماوية المرتبطة بالفوسفاط.

ولا يقتصر التعاون المرتقب على التجارة التقليدية فقط، إذ بدأت بوادر اهتمام أرجنتيني متزايد بقطاعات التكنولوجيا والصناعة الدوائية وصناعة مكونات السيارات وفي هذا السياق نظمت الأرجنتين خلال السنوات الأخيرة بعثات اقتصادية إلى المغرب كما استهدفت شركات أرجنتينية السوق المغربية في مجالات البرمجيات والصناعة الصيدلانية وصناعة قطع غيار السيارات، انطلاقا من القناعة المتزايدة بأن المغرب يشكل منصة صناعية ولوجستية متقدمة نحو إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

والرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يكمن في الانتقال من منطق المبادلات التجارية إلى منطق الاستثمار المشترك. فالمغرب راكم خلال السنوات الأخيرة بنية تحتية لوجستية وصناعية متقدمة تشمل مناطق صناعية متخصصة وموانئ عالمية وشبكة اتفاقيات تبادل حر تربطه بأكثر من مليار مستهلك، بينما تبحث الأرجنتين في ظل الإصلاحات الاقتصادية الجارية عن أسواق جديدة وشركاء قادرين على استقطاب استثماراتها الصناعية والزراعية.

وتحمل هذه الدينامية بعدا جيوسياسيا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، فالمغرب يواصل منذ سنوات تعزيز حضوره داخل أمريكا اللاتينية وتنويع شركائه خارج الدوائر التقليدية الأوروبية في وقت تسعى فيه دول أمريكا الجنوبية إلى توسيع انفتاحها على القارة الإفريقية التي أصبحت إحدى أسرع المناطق نموا من حيث عدد السكان والطلب الاستهلاكي وفرص الاستثمار وفي هذا السياق يبرز المغرب باعتباره أحد أكثر الاقتصادات الإفريقية استقرارا وانفتاحا، وبوابة طبيعية نحو الأسواق الإفريقية بفضل موقعه الجغرافي وشبكة اتفاقياته التجارية واستثماراته الواسعة داخل القارة.

ويبدو أن الدورة الثامنة للجنة المشتركة المغربية الأرجنتينية تعكس توجها استراتيجيا لدى البلدين نحو بناء شراكة اقتصادية أكثر طموحا. فمع ارتفاع المبادلات التجارية وتنامي اهتمام الشركات الأرجنتينية بالسوق المغربية، وتزايد حاجة المغرب إلى تنويع شركائه في أمريكا اللاتينية، تتوفر الرباط وبوينس آيرس على فرصة حقيقية للانتقال بعلاقاتهما الاقتصادية إلى مستوى جديد يجعل من التعاون بينهما نموذجا للشراكات جنوب-جنوب في مرحلة تتسم بإعادة رسم خرائط الاقتصاد العالمي.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...