مظاهر من تجليات الثقافة المواطنة العلمية والصوفية في المدينة المغربية

 

 

 

 

الدكتور أحمد غاني
دكتوراه الدولة بدار الحديث الحسنية
متخصص في الفكر والثقافة الإسلامية

 

 

 

من المعلوم أن الوطنية تأتي بمعنى حب الوطن، في إشارة واضحة إلى مشاعر الحب والارتباط بالوطن وما ينبثق عنها من استجابات عاطفية. أما المواطنة فهي صفة المواطن والتي تحدد حقوقه وواجباته الوطنية.. وتتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه، وخدمته في أوقات السلم والحرب، والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي ،الرسمي والتطوعي ،في تحقيق الأهداف التي يصبو لها الجميع وتوحد من أجلها الجهود .
ان المواطنة من شيم المغاربة ، وهي حاضرة بقوة في ماضيهم وحاضرهم ،بل حاضرة حتى في شوارعهم وبناياتهم ، في مدنهم وقراهم..
إن المواطنة بكل بساطة هي الخروج عن الذات ،والابتعاد عن الأنانية ،والاهتمام بالآخر، والبحث عن حلول لمشاكله .والسعي إلى نفعه ، وهي من صلب الدين فأحبكم إلى الله أنفعكم لعياله.
إننا سنتتبع بعض المظاهر العمرانية للمواطنة المغربية كما عرفها التاريخ المغربي بالمدينة المغربية والتي تجسد هذا الفكر وتسعى إلى نفع الآخر، وسنركز على مدينة مغربية تجاوزت حضارتها ١٢قرنا وهي مدينة فاس.
والحقيقة أن ذكر هذه المدينة يرتبط ببعض المغالطات التي أرى أن مقولة العلامة المختار السوسي تمحوها.

يقول العلامة المختار السوسي رحمه الله في كتابه سوس العالمة :
لو تصدى باحث أو باحثون لكتابة تاريخ فاس من نواحيها كلها ، لفتحوا صفحة عربية ذهبية وهاجة طافحة ، ربما تنسى كل ما كتب عن بغداد ودمشق والقاهرة ، إذ أن تاريخ المغرب الثقافي العام ليكاد كله يكون كجوانب الرحى حول قطب فاس ، لأن فاس الماجدة العظيمة هي فاسنا كلنا لا فاس سكانها وحدهم ، ذلك أن فاس ، فاس الفكر والعلم والحضارة ، لا فاس شئ آخر .
كتب الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش أن «للمدن رائحة»، وأن كل مدينة لا تُعرف برائحتها «لا يعول على ذكراها»، وهكذا، فإذا كان لموسكو رائحة النقانق، وباريس رائحة الخبز الطازج والأجبان، ودمشق رائحة الياسمين والفواكه المجففة، وتونس رائحة مسك الليل والملح، وبيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، فإن للرباط رائحة الحناء والبخور والعسل.
لا ندري لمَ أغفل محمود درويش ذكر فاس. لو كان ذكرها لتحدث عن رائحتها، مقرونة بعبق التاريخ وأسماء العظماء والعلماء الذين ولدوا أو مروا أو دفنوا بها .فاس حيث التاريخ ينز من الجدران، يطلع من النوافذ، يمسكنا بأيدينا ويسير أمامنا.

أول معلمة تجسد فكر المواطنة والخروج عن الذات والاهتمام بالآخرولو كان في بداية حياته :

فندق الرضاع
من المعلوم تعدد الفوائد الصحية للرضاعة الطبيعية لكلاً من الأم والطفل، ومن أهم فوائد الرضاعة الطبيعية للطفل:
. توفير التغذية المثالية.
. المساعدة على مقاومة الفيروسات والبكتيريا؛ إذ يحتوي حليب الأم على أجسام مضادة.
تقليل خطر الإصابة بالأمراض بما في ذلك التهاب الأذن الوسطى، والتهابات الجهاز التنفسي، ونزلات البرد، والتهابات الأمعاء، ومتلازمة موت الرضيع المفاجئ..
جعل الطفل أكثر ذكاء..
. وجود آثار إيجابية كبيرة على نمو الدماغ على المدى الطويل.
ولذلك سنستغرب لهذا الابتكار الذي تفتقت عنه العبقرية المواطنة بمدينة فاس.
قبالة باب للقرويين يقع فندق الرضاع الذي كانت به المرضعات اللواتي لديهن فائض من الحليب، فإذا حدث أن أما حديثة العهد بالولادة انقطع حليبها فإنها تلجأ إلى هذا الفندق حيث تجد مرضعا لابنها ،وأكثر من هذا وضع بالفندق عدل يوثق كتابة هذه العملية ويثبت النسب ،فنحن نعلم أنه في الإسلام يحرم بالرضاع مايحرم بالنسب.

من المظاهر العمرانية لفكر المواطنة في فاس والمتعلقة بمجال الطفولة:
دكان أواني الفخار

لم يكتف فكر المواطنة بالاعتناء بالرضيع، بل اهتم بالطفل كذلك ،وحاول أن يجتث أسباب العنف التي كان الطفل يتعرض لها ،وهناك مكان خصص لهذا الغرض بجانب القرويين . فعلى الجهة اليمنى من بابها الذي ببوطويل ،إلى جانب سقاية الماء، التي جعلت ليكون ماؤها مشاعا للجميع ،كان هناك دكان لتجارة أواني الفخار، ومن المعلوم أنها الأواني المستعملة آنئذ لنقل الاطعمة وغيرها ،وكان أغلب من يحملها هم الأطفال ،فإذا انكسرت الآنية تعرض الطفل للعقاب ،فخصص هذا المكان لتعويض الإناء وتخليص الطفل من العقاب.
إن الفكرة بسيطة ولكنها تحمل في عمقها فكرة أعمق وهي الحماية الاجتماعية للجيل الصاعد من العنف ،فالعنف لايولد إلا العنف.

ونذكر هنا من قصص عناية العلماء الصوفية بالأطفال وبالثروة العقلية للأمة ،وتوجيههم نحو ما فيه النفع للأمة ،وذلك حسب مؤهلاتهم. أن ا لشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي رضي الله عنهما رأى طفلا صغيرا يحضر مجالسه ،وكان يحضر مع والده مجلس الشيخ المذكور، فكان يكثر السؤال من الشيخ والبحث، وكان لصغره يجلس في آخر المجلس ،وكان الشيخ يستحسن سؤاله وبحثه وعبارته، فأقامه الشيخ يوما من مؤخر الناس وقدمه وقال له: مثلك لا يتأخر، ولم يعرفه، وإنما ذلك لما ظهر له من فطنته، ثم إنه رأى بيده يوما أثر الصبغ فسأل عنه من هو، فقيل له إنه ولد سيدي عبد الرحمان ابن الزكري، وقال له والده هو ولدي، فقال له الشيخ: هو يخدم الصناعة، قال: نعم، فقال له: أخرجه من الصنعة، ولا تتركه فيها قط فإن مثله لا يليق للصناعة، واجعله لقراءة العلم ،ولك أجره، وإن عجزت عن مؤنته فكل ما يخص من مؤنة فعلي، والله المستعان. فأخرجه والده عند ذلك من صناعة الدباغة ،وتركه يقرأ العلم حتى فتح الله عليه ،وكان منه ما كان فأصبح من أكابر علماء القرويين .
وبالمناسبة نهنئ 41طالب مغربي الذين نجحوا في المباراة الدولية بفرنسا ،ورفعوا راية هذا البلد خفاقة أمام سائر الدول، فهذا البلد غني بالثروة العقلية التي نتمنى أن يوفق المسؤولون إلى استغلالها في نفع الوطن.
لقد كان للصوفية أدوار مواطنة نذكر من بينها ماقام به سيدي أحمد الشاوي الذي قام بعدة مشارع عمرانية واجتماعية.
فقد بنى قنطرة ابن طاطو، خارج باب بني مسافر ، وأصلح قناة جامع الأندلس المائية الآتية من خارج باب الجديد. وشيد دارين للذاكرين بفاس. أولاهما، بحومة الجرف. وثانيتهما بزنقة الرطل،وقد اوقف سيدي احمد الشاوي سارية لتجويد القرآن الكريم بجامع القرويين .

توجد معلمة أخرى تجسد كذلك فكرالمواطنة وهي:
مصرية الحاجة

يقع سماط العدول غرب القرويين، ويضم دكاكينا للموثقين. وبالقرب منه وقبالة باب الكتبيين تتواجد مصرية كانت تسمى “مصرية الحاجة” .
هذه المصرية كانت توضع بها اللقيطة التي يعثر عليها ويعتنى بها إلى أن يقع الإعلان عنها يوم الجمعة بباب الصالحين، ،كما كانت هذه المصرية تودع فيها الأشياء المعثور عليها طيلة الأسبوع، ويوم الجمعة بعد الصلاة تتم المناداة عليها في باب الصالحين.

من المظاهر العمرانية لفكر المواطنة في فاس والمتعلقة بمجال الأسرة والرعاية الاجتماعية:
جامع النبارين
يوجد معلم معماري يدل على روح المواطنة التي كانت سائدة في المجتمع المغربي والتي تدفع إلى الاهتمام بمشاكل المواطنين والسعي في إيجاد الحلول لها ، ونقصد بهذه المعلمة جامع النبارين.
إنه من المرافق القريبة والمتصلة بالقرويين علميا واجتماعيا ،فهو جامع في رحبة القيس ،والاسم يرجع الى قبيلة بني قيس العربية التي استوطنت هذا المكان بفاس. هذا المسجد اسمه جامع النبارين. ومعناه مشتق من النبرة، أي إعطاء بروز وتوافق. وهو من أقدم جوامع عدوة القرويين، كانت تجتمع فيه هيئة استشارية تتكون من خبراء في عدد من مجالات الحياة، تستشيرهم الساكنة في كل ما يعرض لها من قضايا ومشاكل اجتماعية كالمصاهرات أو فك النزاعات التجارية .
وبالإضافة إلى هذه المؤسسة الاستشارية الاجتماعية المواطنة التي كان من أهم اهتماماتها بناء الأسرة المنسجمة المتناسقة عن طريق اختيار المصاهرات المناسبة، وجدت

مؤسسات تسعي إلى تحقيق العدل في حالة الشقاق مثل :
مؤسسة دار الثقات

هي دار اعدت قبالة مسجد الشراطين بعدوة القرويين لإقامة الزوجين المتناوشين المتخاصمين يسكنانها بين قوم صالحين ثقة , يستعين بهم القاضي لمعرفة الظالم من الزوجين من خلال ملاحظة سلوكهم أثناء الإقامة بدار الثقاة.
اهتم فكر المواطنة بالمرأة أيما اهتمام ،ووجدت معالم معمارية تجسد هذا الاهتمام منها:
دار الفقيهة
فقد و جد بفاس مدارس خاصة بالبنات باسم دار الفقيهة لتحفيظ القران تشرف عليها فقيهات عالمات.
من الذين تحدثوا عن دار الفقيهة كما احتفظت بها ذاكرة الطفولة الشاعرة أمينة المريني.ففي قراءة في ديوان “خرجت من هذه الأرخبيلات” للشاعرة أمينة المريني …يقول أحد الباحثين:
الشاعرة تعيد وضعها الحالي الذي تعيشه حاليا إلى الوسط العائلي الذي ترعرعت فيه، فهي قضت جل طفولتها بين الزوايا والتكايا مع عائلتها(في فاس)، فشربت روحها من الزهد والإذلال أمام عظمة الله تعالى، فرقت نفسها كثيرا، فكل الأماكن التي عاينتها وزارتها مع والديها لا زالت راسخة بذاكرة الشاعرة، كأنها تحياها للتو في قصيدتها هذه بكثير من الشغف والحنين والاشتياق، وكيف لا تشتاق لأيام قربتها من الله تعالى، التي زرعت حبا في قلبها، فطهرت روحها وارتقت بها من عالم الطين نحو عالم النور والضياء.
أرخبيلات فاس هي الأخرى حاضرة في شعر أمينة المريني، فالشاعرة تقف عند كل الأمكنة التي عايشتها في فترة ما، فتقول فيها قصيدة شعرية، وكل أرخبيلاتها من فاس التي قضت بها عمرا ، ولا زالت بأحضانها تقطف من عبير مسكها وياسمينها.
تقول الشاعرة عن حي رأس الجنان والقريب من الرصيف -وهو حي الطفولة للشاعر محمد السرغيني والشاعرة امينة المريني-
يضم هذا الحي منزل الفقيهة,وتقول امينة المريني أن الفقيهة، هي ابنة شاعر الملحون الكبير (الدمناتي)، وقد ارتبط هذا المنزل في ذهن الطفلة بالطّهر والقداسة والجمال، وكانت الفقيهة الجميلة حازمة في غير عنف، مخلصة في تحفيظ القرآن للصغار كما كان هذا المنزل يتحول في المناسبات الدينية، خصوصا في عيد المولد النبوي الشريف، إلى معْلمة مضيئة، لما يغشاه من أنوار وزينة وبما تعج به جوانبه من ابتهالات وتلاوة قرآنية. وكانت الفقيهة تلبس في ذلك اليوم قفطاناً مطرزاً.
دارالعروسة
وانطلاقا كذلك من فكر المواطنة الذي يجعل الإنسان يخرج من ذاته ،ويفكر في الآخر في أفراحه وأتراحه ،وجدت من جملة الاعمال الإنسانية دور بفرشها واثاثها ،واحدة في عدوة الاندلس والأخرى بعدوة القرويين .
وتسمى هذه الدار دارالعروسة وقد خصصت للاحتفال باعراس اليتيمات والمعوزات .والغريب ان عددا من النساء وهبن وأوقفن جواهرهن على هذه الدور .
وقد ابدع صاحب الجلالة الملك محمد السادس حين اعطى ليتامى الحوز صفة مكفولي الامة .

لقد تسربت روح المواطنة هذه إلى سائر فئات المجتمع ،بما فيها الفئات البسيطة كفئة الزرزاية والتي تسمى في المدن الأخرى بطائفة الحمالة، فقد كان لديهم مكان يوظف لخدمة هذه الفكرة وهو:
دار الخابية
هي دار توجد بحومة عقبة بن صوال، والتي تعرف عندهم بدار الخابية، ففي كل خميس كان زرزاية يضعون في الخابية بعض الدريهمات المعدودة، كشكل من أشكال التضامن الاجتماعي عندهم ويوزعون مال الخابية على الذي ألمت به مصيبة أو رزأ في عزيز أو مرض أو ما شابه ذلك.
وهي نفس الفكرة التي كان يطبقها تجار قسارية مولاي ادريس حيث كانوا يجمعون قدرا من المال يوضع بخزانة بقبة القسارية ويقرض هذا المال دون فائدة لمن افلس من التجار.

وقف فقراء مكة
يوجد ضمن الوثائق الحبسية لمدينة فاس وقف باسم وقف فقراء مكة وهي عبارة عن مجموعة من الدكاكين في مكان يسمى تربيعة مكة بحي القطانين .وكان كراء هذه المحلات يجمع الى أن يرسل مع ركب الحجاج ليوزع على فقراء مكة. وبذلك تجاوز فكر المواطنة حدود الوطن للتعاطف مع المسلمين في العالم كله.
بعد هذا القدر الذي أصاب بلدنا في منطقة الحوز فإن الشعب المغربي يسجل اليوم صفحة مضيئة من صفحات المواطنة بقيادة أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله،وفي ذلك استمرار لفكر المواطنة المترسخ في فكر الشعب المغربي ، فرحم الله الموتى وأنزل سكينته على من بقي من عائلاتهم وحفظ بلادنا من الكوارث والزلازل ،وجعلها بلاد الدين وراحة للمحتاج والمسكين والحمد لله رب العالمين

 

عرض ألقي في الملتقى العالمي 18 للتصوف مداغ بركان المملكة المغربية ا
/political-encyclopedia.org/dictionary/ باختصار من
قراءة في ديوان “خرجت من هذه الأرخبيلات” للشاعرة أمينة المريني …بقلم الطالب الباحث:أناس الكنوني

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...