لا يقتصر الجدل المتصاعد داخل إسبانيا بشأن مستقبل سبتة ومليلية على أسئلة الحدود والهجرة والعلاقة المتوترة مع المغرب، بل يمتد إلى أحد أكثر الملفات حساسية في النظام السياسي الإسباني، وهو كيف عالج دستور 1978 وضع المدينتين الواقعتين في شمال إفريقيا؟ وهل تستطيع مدريد، من الناحية الدستورية، فتح نقاش حولهما من دون أن تهز الأسس التي قام عليها النظام الإسباني بعد وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو؟
تنطلق بعض التحليلات الإسبانية الحديثة من معطى قانوني لافت، هو أن دستور 1978 لا يتضمن مادة ترسم الحدود الخارجية لإسبانيا أو تقدم قائمة شاملة بالأقاليم التي تتكون منها الدولة.
في هذا السياق، يذكر الدستور الإسباني مدينتي سبتة ومليلية بوضوح في ثلاثة مواضع، فالمادة 68 من الدستور تمنح كل مدينة مقعدا في مجلس النواب، والمادة 69 تخصص لكل منهما عضوين في مجلس الشيوخ، بينما تنص الفقرة الانتقالية الخامسة على إمكانية تحولهما إلى مدينتين مستقلتين، إذا وافقت مجالسهما البلدية وأجاز البرلمان الإسباني ذلك بقانون تنظيمي.
لكن الدستور لم يصف سبتة ومليلية في أي من هذه المواضع بأنهما “جزء لا يتجزأ من التراب الإسباني”، ولم يحدد حدودهما أو يقدم تعريفا تفصيليا لوضعهما السيادي، وهذا هو الفراغ الذي تستند إليه بعض القراءات السياسية للقول إن المشرع الإسباني اختار معالجة المدينتين من زاوية التمثيل البرلماني والتنظيم الإداري، من دون الدخول في صياغة دستورية مباشرة بشأن السيادة، على غرار ما ستفعله لاحقا قوانين الحكم الذاتي.
وضع مؤجل منذ دستور 1978
تكمن المفارقة الثانية في أن سبتة ومليلية لم تحصلا على نظاميهما للحكم الذاتي إلا سنة 1995، أي بعد نحو 17 عاما من إقرار الدستور. وقد نص القانون التنظيمي الخاص بسبتة، في مادته الأولى، على أن المدينة، “باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسبانية وفي إطار وحدتها التي لا تنفصم”، تحصل على نظام للحكم الذاتي، واعتمد المشرع الإسباني العبارة نفسها حرفيا تقريبا في القانون التنظيمي الخاص بمليلية.
غير أن المدينتين لم تسلكا المسار الوارد في الفقرة الانتقالية الخامسة الذي كان يتيح لهما التحول إلى مدينتين مستقلتين كاملتين، بل حصلتا على نظام خاص بموجب المادة 144 من الدستور، ولذلك بقي وضعهما مختلفا عن وضع الأقاليم ذاتية الحكم مثل كاتالونيا والأندلس ومنطقة الباسك.
وقد أكدت المحكمة الدستورية الإسبانية هذا التمييز في حكم صدر سنة 2006، حين اعتبرت أن سبتة تتمتع بـ”نظام فريد من الحكم الذاتي المحلي”، وأنها جزء من الأمة الإسبانية، لكنها ليست مندمجة في أي إقليم أو جهة مستقلة ولا تتمتع بالوضع الدستوري نفسه الذي تتمتع به الأقاليم ذاتية الحكم الـ17، ويشمل المنطق نفسه مليلية، التي تمتلك بدورها نظام مدينة ذاتية الحكم، لا نظام أقاليم ذات الحكم الذاتي كامل الصلاحيات التشريعية.
ولا يعني ذلك أن السيادة الإسبانية على المدينتين هشة تلقائيا من منظور القانون الداخلي الإسباني، فمدريد تستند إلى الدستور وقانوني الحكم الذاتي والإدارة الفعلية المستمرة ومؤسسات الدولة والتمثيل البرلماني لكنه يكشف وجود بناء قانوني خاص واستثنائي، جرى استكماله متأخرا، وظل أقل وضوحا من البناء الدستوري المنظم لباقي الأقاليم.
“لن تسقط حكومة فقط.. بل سيسقط نظام 1978”
في هذا السياق، قدم المحلل الاقتصادي والمدير التنفيذي لمنصة “Negocios TV”، خوسيه فيثنر، قراءة سياسية للمعضلة، انطلاقا من أن سبتة ومليلية لا تظهران في الدستور ضمن تعريف شامل للتراب الوطني، بل في مواد مرتبطة بالتمثيل البرلماني وإمكانية الحصول على الحكم الذاتي.
ويذهب فيثنر إلى أن خطورة الملف لا تكمن في احتمال سقوط حكومة إسبانية إذا وافقت على التفاوض مع المغرب، بل في احتمال انهيار العقيدة السياسية التي قام عليها ما يعرف في إسبانيا بـ”نظام 1978″، قائلا في أحد تعليقاته: “لن تسقط حكومة، بل سيسقط نظام 1978 بأكمله”.
وتستند هذه القراءة إلى أن الحكومات والمحاكم الإسبانية بنت موقفها في مواجهة النزعات الانفصالية، خصوصا في كاتالونيا وبلاد الباسك، على مبدأ وحدة الدولة وعدم جواز التصرف الأحادي في أي جزء من أراضيها، كما تنص المادة الثانية من الدستور على “الوحدة غير القابلة للانفصال للأمة الإسبانية”، بينما تكلف المادة الثامنة القوات المسلحة بضمان سيادة إسبانيا واستقلالها والدفاع عن سلامة أراضيها ونظامها الدستوري.
وعليه، فإن قبول مدريد من حيث المبدأ بإمكان التفاوض على سيادة سبتة أو مليلية، مستقبلا، لن يكون، سياسيا، مجرد ملف ثنائي مع المغرب، بل سيفتح بابا أمام سؤال داخلي بالغ الحساسية، يتمحور حول: كيف يمكن للدولة أن ترفض نهائيا مناقشة انفصال إقليم داخل شبه الجزيرة الإيبيرية، بينما تقبل التفاوض على إقليم آخر تصفه قوانينها بأنه جزء لا يتجزأ من الأمة؟
هل يستوجب التفاوض حل البرلمان وإجراء استفتاء؟
للإجابة علي هذا السؤال، يحتاج هذا الجانب إلى تدقيق قانون، فمجرد فتح أي مفاوضات مع المغرب حول المدنتين مستقبلا، لا يؤدي تلقائيا إلى تفعيل المادة 168 من الدستور، ولا يفرض بذاته حل البرلمان أو إجراء انتخابات، حيث تنص المادة 94 على أن أي معاهدة دولية تمس “الوحدة الترابية للدولة” تحتاج إلى ترخيص مسبق من البرلمان الإسباني، أما المادة 95، فتنص على أن أي معاهدة تتضمن مقتضيات تخالف الدستور لا يمكن إبرامها إلا بعد تعديل الدستور أولا.
وتصبح المادة 168، وهي المسطرة الأكثر تعقيدا، ضرورية فقط إذا كان التعديل يمس الباب التمهيدي للدستور، ومنه المادة الثانية المتعلقة بوحدة الأمة الإسبانية، أو الحقوق الأساسية المحددة، أو النظام الملكي، عندئذ يتطلب الأمر موافقة ثلثي مجلسي النواب والشيوخ، ثم حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة، وإعادة المصادقة بأغلبية الثلثين، قبل عرض التعديل وجوبا على استفتاء شعبي.
أما إذا أمكن من الناحية النظرية صياغة اتفاق لا يقتضي تعديل المادة الثانية أو بقية المواد المحمية، فقد يجري النقاش حول مساطر دستورية أخرى، ولذلك، لا يمكن الجزم مسبقا بأن كل تفاوض سيؤدي حتما إلى تطبيق المادة 168، وإن كان أي اتفاق نهائي ينقل السيادة سيصطدم على الأرجح بتعقيدات دستورية وسياسية هائلة.
ملك لم يزر المدينتين منذ اعتلائه العرش
ويستند المدير التنفيذي لمنصة “Negocios TV”، خوسيه فيثنر، أيضا إلى معطى رمزي لافت، يتمثل في أن الملك فيليبي السادس لم يقم، منذ اعتلائه العرش سنة 2014، بزيارة رسمية إلى سبتة أو مليلية بصفته ملكا لإسبانيا.
وكانت آخر زيارة ملكية رسمية للمدينتين قد قام بها الملك السابق خوان كارلوس والملكة صوفيا يومي 5 و6 نونبر 2007، وهي زيارة أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع المغرب، وتؤكد أجندة القصر الملكي أن فيليبي السادس استقبل رؤساء المدينتين وممثليهما الاقتصاديين في قصر “لا ثارثويلا”، لكنه لم ينتقل إليهما في زيارة ملكية رسمية حتى غشت 2026.
ولا يشكل غياب الزيارة في حد ذاته دليلا قانونيا على وجود شك في السيادة، لأن تنقلات الملك تخضع لبرنامج الحكومة وحسابات السياسة الخارجية، لكنه يعكس الحساسية الاستثنائية للمدينتين، فالزيارة التي يمكن أن تقدم داخليا باعتبارها ممارسة عادية للسيادة، قد تتحول خارجيا إلى أزمة مباشرة مع الرباط.
أزمات التراب تهز النظام الإسباني
تاريخيا، لم تؤد كل خسارة ترابية لأراض تحتلها إسبانية تلقائيا إلى سقوط النظام السياسي، فهزيمة سنة 1898 وفقدان كوبا وبورتوريكو والفلبين لم تسقط نظام “الاستعادة” مباشرة، لكنها أحدثت صدمة وطنية عميقة عرفت بـ”كارثة 1898″ وأضعفت شرعيته.
كما أن هزيمة معركة “أنوال” بشمال المغرب سنة 1921 لم تسقط الملكية فور وقوعها، لكنها عمقت أزمة الدولة والجيش، وأسهمت في المناخ الذي انتهى بانقلاب الجنرال بريمو دي ريفيرا سنة 1923، أما انسحاب إسبانيا من الصحراء سنة 1975 بعد المسيرة الخضراء، فقد تزامن مع وفاة فرانكو وبداية الانتقال السياسي، ولم يكن وحده سببا في نهاية النظام.
والخلاصة أن الأزمات الترابية في التاريخ الإسباني لم تكن أحداثا خارجية معزولة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عوامل كشفت هشاشة النظام وعمقت أزماته الداخلية. لهذا، فإن قضية سبتة ومليلية لا تمثل بالنسبة إلى مدريد مجرد نزاع مع المغرب حول مدينتين في شمال إفريقيا، بل يراه الإسبان قضية تمس تعريف الدولة لنفسها، وتوازناتها الداخلية، وعقيدتها في مواجهة الانفصال، ودور المؤسسة الملكية، وحدود ما يستطيع “نظام 1978” تحمله.
المصدر: الصحيفة





