بقلم: ذ.محمد زاوي
3-المقاومة في ميزان د. الريسوني
-سبيلان في المقاومة
يميز د. أحمد الريسوني بين نوعين من المقاومة، مقاومة شعبية، وأخرى منظمة سياسية أو مسلحة. هذا النوع الثاني من المقاومة محكوم بشروطه وظروفه، قد يضطر للتراجع والتنازل. أما النوع الأول من المقاومة فلا يعرف توقفا أبدا، حتى تحرير فلسطين.
وهو ما عبر عنه د. الريسوني بقوله: “فصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة قد توقف المقاومة فترة من الزمن، وقد تدخل في تفاهم أو تهدئة، وتدخل في معارك كبرى كل بضع سنوات، “لكن المقاومة الشعبية، والانتفاضة الشعبية لا تتوقف أبدا”. (أحمد الريسوني، مقال بعنوان “أسلحة المساكين.. حجارة وسكاكين”، عربي 21، 2015)
الحياة اليومية للفلسطينيين تفرض المقاومة الشعبية، وتجعل التخلي عنها تفريطا في حق الحياة؛ إن “الشعب الفلسطيني والمواطن الفلسطيني يقاوم ليل نهار، يدافع عن بيته، وعن حقله، وعن شجرته، وعن طريقه، وعن مائه، وعن دكانه، وعن مسجده، وعن مدرسته، وعن حقه في التنقل في وطنه وبين قُراه، وعن حقه في البقاء” (نفس المقال).
العلاقة بين المقاومة المنظمة والمقاومة الشعبية علاقة ضرورية وواقعية، فالأولى تعكس الثانية وتعبر عن فئاتها الاجتماعية.. ضعف هذه الفئات أو تخليها عن وعيها الكفاحي من شأنه أن ينعكس على المقاومة المنظمة ، تنحسر إذا خنع الشعب، وتتسع دائرتها ويشتد عودها إذا سرى في عروقه وعي المقاومة وحتميتها في شرط يهدد الفلسطينيين بالزوال، بالتهجير والاضطهاد والتطهير العرقي.
ورغم ذلك، فالمقاومة التي تعكس حرارة الشعب تقوده أيضا ولا يقودها. القيادة السياسية والعسكرية هي الأدرى بمجريات المعركة، تعرف ما يجب أن تبقى في حدوده لا معركة السلاح فحسب، بل معركة الاحتجاج والتمرد والثورة والعصيان المدني والانتفاضة الشعبية أيضا.. لها عناصرها في الشعب، من خلالها تؤثر فتقود ولا تقاد.. وإذا وقع رد فعل شعبي عفوي، فإنها تصبح مسؤولة عن تنظيمه وضبط حركته.. العلاقة بين الشعب ومقاومته مستمرة، يتكاملان ولا يتصارعان.. ويستعيد الشعب زمام المبادرة إذا انهارت المقاومة أو انهزمت، أو تخلت عن رسالتها. أما في شروط مقاومة مكافحة، فالشعب يقاد ولا يقود، واحتجاجه العفوي يصبح أمانة ومسؤولية قد يعصف بحسابات المقاومة المنظمة إذا هي لم تتدخل لتوجيهه وترشيده.
-سند المقاومة.. ماديا ومعنويا
يوفر د. الريسوني دعما مزدوجا للمقاومة. يدعمها معنويا بدعوة الشعوب العربية والإسلامية إلى نصرتها وحفظ قضيتها بالاحتجاج والتوعية، كما يقول بوجوب نصرتها على علماء الشريعة وفقهاء الأمة. ويتخذ الريسوني في دعوته سبيلا فقهيا يؤصل ممارسة المقاومة ونصرتها في الشريعة، فتنتقل بموجب تأصيله من ممارسة دنيوية منحسرة في المكان والزمن إلى مقاومة ربانية تنفذ “أمر الله في شرعه”.
بهذا الخصوص يقول د. الريسوني: “أما المتطلبات الشرعية لهذا الواقع، فهي ما يقرره القرآن الكريم في المئات من آياته الكريمة، من وجوب الجهاد لمقاومة الغزاة والمعتدين، ومقاومة من يخرجون الناس من ديارهم من غير حق، ومناهضة جميع أنواع المنكرات والمظالم من قتل وسجن وتهجير واستيلاء على الأراضي، وكل احتلال واغتصاب للأرض يجب أن يزول، وعلى المسلمين جميعاً وغيرهم من الخيرين من الإنسانية جمعاء أن يقاوموا وينخرطوا في كل أشكال النضال من أجل محو هذا الواقع”. (أحمد الريسوني، حوار مع مجلة “المجتمع”، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 2021)
وفي موضع آخر نجده يقول إنه “على مدى قرون وقرون، يقرر الفقهاء ويكررون، أن الجهاد فرض كفاية، ولكنه يصير فرض عين على كافة المسلمين، إذا غُزيت ناحية من بلاد الإسلام والمسلمين” (أحمد الريسوني، مقال “معركة فلسطين والأقصى.. الجهاد الأشرف والأنظف”، موقع د. الريسوني، 2023).
أما ماديا فيدعم الريسوني المقاومة بالدعوة إلى تخصيص جزء من الأموال والصدقات والزكوات للشعب الفلسطيني ومقاوميه. فذلك في نظره يدخل في دائرة الواجب الشرعي، تعويضات عن المقاومة الميدانية على أرض فلسطين. ف”المسلمون اليوم لا يستطيعون الوصول إلى فلسطين للقيام بهذا الفرض المتعين، وليشاركوا أهلها في جهادهم ومعاركهم الميدانية، لا بأس” (أحمد الريسوني، نفس المقال).
تخصيص الصدقات والزكوات والدعم بالمال يفي بالغرض، ويحافظ على الروابط بين الفلسطينيين وأبناء أمتهم، بين المقاومة وحاضنتها العربية والإسلامية. وهنا تأتي دعوة الريسوني: “لكنكم أيها المسلمون والمسلمات، يمكنكم جميعا أن تجاهدوا بالأشكال الممكنة، وأن تشاركوا في هذا الفرض الجهادي، الذي أصبح عينيا إلى أن تتحرر فلسطين ويتحرر المسجد الأقصى المبارك.. إننا قادرون على تخصيص جزء من أموالنا ومداخيلنا وزكواتنا للجهاد والمجاهدين، وللمرابطين الصامدين، ولمن خلفهم من عوائلهم وذرياتهم وعموم شعبهم”. (نفسه)
تحتاج المقاومة إلى نوع آخر من السند، بالإضافة إلى الاحتجاج والتوعية والتأصيل والتمويل؛ هو السند بالوعي السياسي والجيوسياسي السديد. إنها في حاجة إلى التنبيه إذا أخطأت التقدير، لا إحراجها بتبني مواقف لا تخدمها كما وقع عام 2011. إنها في حاجة إلى التحذير من المتنافسين على استغلال مجهودها الميادني، حتى لا يضيع كفاح الشعب الفلسطيني بين فكي المصالح الدولية والإقليمية.
إنها في حاجة أيضا إلى مزيد من المراجعة بخصوص خطابها السياسي، حتى يصبح خطابا وطنيا كالذي تظهر بعض بوادره على لسان يحيى السنوار، في أفق المصالحة الفلسطينية الداخلية على أساس واقعي تنتهي معه الإيديولوجيات المعيقة للتقارب. رغم أن القضية قضية أمة، وقضية وطن عربي؛ فإنها قضية فلسطينية أساسا، يجب أن تحقق الوحدة الفلسطينية قبل أي وحدة أخرى.. وإذا كان الخلاف الداخلي يعكس خلافا إقليميا وآخر دوليا، فتلك زاوية أخرى للنظر يجب أن تقدرها “حماس” بقدرها ريثما يتحقق الشرط الخارجي للوحدة الداخلية.
-“حماس” والسلطة الفلسطينية
بالإضافة إلى السند المادي و المعنوي الذي يقدمه د. الريسوني لحركة المقاومة عموما، نجده يخص حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بعناية خاصة. يضفي على معركته شرعية متجاوزة فيقول إن “الجهاد الجاري الآن على أرض فلسطين، هو جهاد قد استجمع كل الدواعي والموجبات، وانتفت فيه كل المحاذير والتحفظات، وسقطت فيه كل الأعذار والتعِلات.. (وهو جهاد) لمصلحة عموم المسلمين، ولمصلحة عموم البشرية.. (وهو) “جهاد في سبيل الله، ونصرةً للمستضعفين.. (وهو) جهاد لتكون كلمة الله هي العليا”. (الريسوني، نفس المقال)
أما عندما يتعلق الأمر بالاتهامات الموجهة ل”حماس” بتوريط الشعب الفلسطيني في حروب تعصف بالأرواح والبنيات، فإن الريسوني يؤسس رده على معطى واقعي تاريخي، هو ضرورة الحرب عندما تُستنفد كل الحلول دون أن تفي بغرض رفع الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.
وهنا يقول الريسوني: “حين نظلم مرات متعددة ونحاول أن نرفع هذا الظلم من غير الحرب، فلا يزداد هذا الظلم إلا تمادياً، فحينها يكون خيار الحرب هو الحل، وكما يقال: “آخر الدواء الكي”، وفيها تسقط أرواح منا ومن غيرنا، لكننا نرجو من الله ما لا يرجون، وتسقط عرضاً أرواح ممن ليسوا طرفاً في الحرب”. (أحمد الريسوني، حوار مع مجلة “المجتمع”، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 2021)
وردا منه على من يقول باستغلال حماس للمدنيين واندساسها في صفوفهم لتتخذ منهم دروعا بشرية، يرى الريسوني أنه “إذا كان العدو يتهم رجال المقاومة بأنهم يندسون وسط المدنيين فهو أيضاً يتمترس في مجموعة من المستوطنات أتى بها وأقامها وأقام منشآتها، ومن الناحية الإسلامية لا يجوز استهداف المدنيين مع العلم بأنهم ليسوا مقاتلين”.
وإذا كان الريسوني يدافع عن حركة “حماس” ومقاومتها، فإنه بالمقابل يتبنى موقف رعيلها الأول الرافض لأي تسوية أو اتفاق مع الكيان الصهيوني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.. وهنا يقف على النقيض من “أوسلو” وما جاء بعدها، وعلى النقيض ممّا يسميه “كوابح السلطة الفلسطينية”.
إن هذه السلطة وداعميها، في نظر الريسوني، وحدهم يتحملون مسؤولية الخفوت وتراجع خط المقاومة. ف”في كثير من حالات الخفوت فإن السلطة الفلسطينية هي التي تهدئ وتكبح الانتفاضة والمقاومة الشعبية، أي تقوم بمقاومة المقاومة”. (أحمد الريسوني، مقال بعنوان “أسلحة المساكين.. حجارة وسكاكين”، 2023)
للسلطة الفلسطينية سياق تشكل وتطور، ولحركة “حماس” سياق تأسيس وتعزيز للوجود.. المعادلة الفلسطينية ليست بالبساطة التي ننحاز فيها لطرف على حساب الآخر.. هذا الأمر تعيه قيادة حركة “حماس” نفسها، إذ ليس من السهل نفي “فتح” و”التحرير الفلسطينية” و”السلطة” من المعادلة.. فذاك مسار، وهذا مسار آخر. ومن يدري، لعلهما يلتقيان في أفق قريب! عندما نتحدث في السياسة فنحن نتحدث عن الممكن والواقعي، عن التاريخ لا عن الأمل.. إن “كوابح” السلطة الفلسطينية لا تعكس مرجعية أخلاقية أو عقدية في المعركة القائمة، بل تعكس سياسة في شروط إقليمية ودولية ملتبسة ومضطربة.. كذلك “حماس” تعكس سياسة أخرى، وتلتقي السياسات إذا تحققت شروط التقائها، فتنصهر “حماس” في “فتح”، وهذه في تلك بإعلان الدولة الفلسطينية.. كلاهما تعبران عن بورجوازية فلسطينية، الفرق بينهما في الاستراتيجية، وهذه محكومة بعلاقات وسياسات دولية وإقليمية.





