د.الحبيب ناصري
هل ساهم المربي، ومؤلف أول سلسة كتب مدرسية بعد الاستقلال وابن طنجة المغربي أحمد بوكماخ في زرع النبتة الأولى للتربية على الصورة وإعداد بعض الأجيال الأولى من السينمائيين المغاربة ؟. لنطرح السؤال بصيغة أخرى وجد بسيطة. هل من علاقة بين أحمد بوكماخ والسينما ؟. قبل النبش في هذا السؤال الغابر، لنعرف بالراحل، ولو بشكل مقتضب، لاسيما لمن لا يعرف من هو أحمد بوكماخ ؟. هو ابن مدينة طنجة الجميلة التي أعطت أسماء أدبية وسينمائية وسياسية وعلمية وفنية كثيرة لهذا الوطن. ولد بها في مطلع عشرينيات القرن العشرين، ومات رحمه الله سنة 1993. هو أول مؤلف لسلسلة “اقرأ ” المدرسية المغربية . مباشرة بعد الاستقلال، لم يكن لدينا نحن المغاربة كتابا مدرسيا خاصا بمادة اللغة العربية لنتعلم فيه (لا داعي للنبش في ذاكرة سياسة فرنسا اللغوية التعليمية خلال حقبة الاستعمار)!. الراحل وهو يدرس بإحدى مدارس طنجة الابتدائية، بادر وألف كتابا مدرسيا خاصا به وبمدرسته. نجحت فكرته وعممتها الوزارة على كافة مدارس المغرب الابتدائية فيما بعد. تمكن من تأليف خمس كتب مدرسية رسمية ولوحده، غطت كافة الأقسام الابتدائية المغربية، حيث كان عدد سنواتها محصورا في خمس سنوات(من التحضيري الى الخامس وهو القسم الذي كان يحصل فيه المتعلم على الشهادة الابتدائية المؤهلة إلى العمل أو متابعة الدراسة). من من الأجيال القديمة لا يتذكر دروسًا /نصوصًا وردت في هذه الكتب المدرسية المغربية من قبيل ” سروال علي” و”زوزو يصطاد السمك” و” الله يرانا” و” الثرثار ومحب الاختصار “، الخ. تمكن الراحل أن يؤلف هذه السلسلة بعد فترة الاستقلال واسترجاع المغرب لحريته حيث كان الراحل وأبوه ممن ساهموا أيضا في أعمال وطنية نضالية من أجل الاستقلال ( اعتقل ابوه لبضع سنوات خلال استعمار فرنسا للمغرب). فعلها فعلا ابن طنجة، وساهم في جعل أجيال عديدة تتربى في وبكتبه المدرسية. تكون مخيالها الأول من صور بسيطة، لكنها غنية ومولدة للذة رهيبة كانت تنتاب كل من جلس في طاولة من طاولات أقسام الستينيات والسبعينيات وفتح هذا الكتاب المدرسي وبدأ يتلمس صورة الدرس، ومدرس وطني يشرح بلهف وشوق تفاصيل ذلك الدرس، وهو يتفنن في كتابته بخط تربينا فيه وبه، ولازلنا بدورنا نرث ما تيسر منه. كانت صور قليلة في ذلك الزمن. سلسلة “اقرأ” لأحمد بوكماخ وكتاب الفرنسية وسينما “ليزار” المتنقلة وحوالي خمس ساعات فقط ويوميا من البث التلفزي العمومي، بجانب بضع صور من “دفتر الصور والذكريات” والذي كنا نعده بأنفسنا، وهو عبارة عن تجميع بعض الصور التي كنا نلصقها في دفتر، ونعلق عليها بأسلوبنا الخاص، وما كنا نعلقه في بيوتنا من صور دينية (مثل صورة آدم وحواء)، الخ. هذه الصور هي مصادر “الثقافة البصرية” لأجيال مغربية عديدة، فيها من وصل إلى أعلى قمم السياسة والمسؤوليات والتجارة والكتابة والمال. العديد من المخرجين والنقاد والباحثين، في مجال الصورة، تربوا في أحضان مؤلفات بوكماخ رحمه الله.الصور المؤسساتية الأولى الرسمية التي شاهدوها كانت في كتب الراحل المدرسية.فيها تخيلوا وتلذذوا محتويات تربوية عديدة. فيها تلذذوا السفر، ولم يسافروا في الواقع نظرا ل”دمقرطة” الفقر آنذاك !. فيها أحبوا العديد من المهن والحكايات والوجوه والأمكنة والأزمنة والألبسة والمأكولات، الخ.ساهمت هذه الكتب في تربية ذوق أول، ووضعت “معاييره”.أعتز بكوني واحدًا ممن حلموا وناموا وهم يتلذذون صورا جميلة من هذه السلسلة. بها ترسخت لي صورة “العفريت” في طفولتي، وهي الصورة التي تسربت لي من نص”أحمد والعفريت “. إذن أو لا يحق لنا إضافة وظيفة أخرى لقلم الراحل الذي يرجع له الفضل في تربية مخيال أجيال عديدة من المغاربة ولو بشكل غير مباشر ؟. إنها كتب مدرسية أعدت وساهمت في تعبيد الطريق لمن تعلم فيها وبها وشق طريقه فيما بعد نحو السينما(نقدًا أو بحثا أو إخراجًا أو إعلاما…). أكيد أن ميل من مال نحو السينما، قد وقع ومخياله قد أثث بصور سلسلة بوكماخ. شخصيا حينما شاهدت ولأول مرة سينما “ليزار” في الهواء الطلق خلال فترة الستينيات، تم ذلك وصور الراحل هي الوحيدة في “رأسي”!. رحم الله أحمد بوكماخ !. خيرا فعلت مدينة طنجة حينما سمت مركبها الثقافي الجميل باسمه!. يستحق الرجل، الذي ربى وفي زمن سياسي وثقافي مغربي وطني له مميزاته الوطنية البنائية بعد الاستقلال، التفاتة عالية كتسمية جامعة باسمه أو ما شابه هذا .





