دارفور- تحت سماء لا ترحم، وبين أكواخ من القش لا تحمي من برد الليل ولا من حرارة النهار، تجلس أمينة على أنقاض خيمتها في مخيم للنازحين قرب بلدة طويلة غربي الفاشر. لم تبقِ النيران من مأواها إلا رمادا وأسى. وتهمس بصوت مبحوح: “هربنا من الرصاص وقسوة الحرب لتلتهمنا النار تحت السماء المكشوفة”.
قصة أمينة (35 عاما) ليست الوحيدة، إنما إحدى حكايات آلاف الأسر التي تعيش كابوسا مركبا في مخيمات النزوح بشمال دارفور، حيث لم تكتفِ الحرب بتشريدهم، بل حولت الخيام الهشة إلى قبور نارية تفتك بهم كلما هبت ريح أو اشتعلت نار طهو.
ففي الأيام القليلة الماضية وحدها، التهمت النيران مئات المآوي بمخيم “العمدة” في طويلة، ويبعد 68 كيلومترا غربي الفاشر، فيما تشير إحصاءات المنسقية العامة للنازحين واللاجئين إلى مصرع 10 أشخاص على الأقل خلال 6 أشهر، غالبيتهم من الأطفال والنساء، جراء هذه الحرائق المتكررة.
واقع إنساني منهار
تكشف هذه الكارثة المتجددة عن واقع إنساني ينهار تحت وطأة الاكتظاظ والفقر المدقع وغياب أدنى مقومات السلامة، وسط مؤشرات متزايدة على أن بعض هذه الحرائق قد تكون مفتعلة بهدف إرغام النازحين على العودة القسرية إلى الفاشر، التي يرفضون الرجوع إليها رفضا قاطعا.
وفي 21 أبريل/نيسان الجاري، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة اندلاع حريق هائل في مخيم “العمدة” للنازحين، أسفر عن تدمير 105 مآوٍ كليا وتضرر 37 أخرى جزئيا، ونزوح 142 أسرة مجددا إلى العراء.
وقبل ذلك بأيام، التهمت النيران 350 مأوى بالكامل في المخيم نفسه، مما أجبر مئات العائلات على الفرار مجددا. ومنذ بداية فبراير/شباط الماضي، أحصت المنظمة اندلاع 5 حرائق في هذا المخيم وحده، أتت على أكثر من 1613 كوخا.
من جانبه، قال آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور، للجزيرة نت، إنه خلال 6 أشهر، توفي أكثر من 10 أشخاص في حرائق المخيمات بشمال دارفور، غالبيتهم أطفال ونساء.
وأضاف “الحريق يلتهم كل شيء بسرعة ويترك الناس في العراء، بينما المجتمعات المحيطة تعاني فقرا مدقعا ولا تستطيع إغاثتهم. الاكتظاظ وعدم تخطيط المساكن هو السبب الرئيسي، إلى جانب أنها مشيدة من القش والحشائش سريعة الاشتعال. وتسهم شدة الرياح في انتشار النيران بسرعة رهيبة”.
وتؤكد المنسقية أن الحرائق المتكررة في مخيمات شمال دارفور تعود إلى “طبيعة البنية التحتية الهشة، حيث تتكدس المساكن المصنوعة من القش سريعة الاشتعال في مساحات ضيقة جدا، بممرات لا يتجاوز عرضها نصف متر في بعض الأماكن، في ظل غياب تام لأي سيارات إطفاء أو خطط طوارئ”.
رفض العودة للفاشر
من ناحيته، قال سليمان آدم خليل، أحد النازحين في مخيم العمدة، للجزيرة نت “عندما نشب الحريق الأخير، قمنا بتشليع (تفكيك) المنازل المشيدة بالقش المجاورة حتى لا تمتد النيران إليها. وكل ما كان بحوزتنا هو بطانيات نبللها بالماء ونحاول إخماد النيران بها. كان الأمر أشبه بمحاولة إطفاء برميل بنزين بكأس ماء”.
أما آدم رجال فقد أكد أن “الواقع مزرٍ”، وطالب الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية “بتوفير المواد اللازمة ووضع خطة طوارئ للحد من تكرار الحرائق، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة للنازحين الذين فقدوا كل شيء مرتين: مرة بالحرب، وأخرى بالنار”.
بدوره، أوضح محمد عبد الرحمن (38 عاما)، أحد النازحين من الفاشر إلى مخيم العمدة، للجزيرة نت: “أغلبيتنا هنا من أبناء الفاشر. خرجنا منها هاربين من الرصاص والقصف. والآن يحاولون إجبارنا على العودة عبر حرق خيامنا. لكننا لن نعود. فالمدينة لا تصلح للحياة. لا ماء، لا كهرباء، لا مستشفيات، والأمان معدوم”. وأضاف: “كلما جددنا رفضنا العودة، اشتعلت النيران في مخيمنا. هذا مخطط ممنهج لإرغامنا على الرحيل قسرا إلى مدينة محترقة”.
وتتزامن هذه الحرائق مع رفض جماعي من النازحين دعوة العودة إلى منازلهم في الفاشر. فبعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، خلت المدينة إلى حد كبير من سكانها الأصليين الذين نزحوا إلى مخيمات آمنة نسبيا مثل “العمدة” في طويلة ومنطقة “روكرو” في جبل مرة.
وقبل أيام فقط، اندلع حريق في مخيم للنازحين في روكرو، أسفر عن وفاة طفلين، وغالبيتهم من النازحين الأصليين من مدينة الفاشر.
“حرائق مفتعلة”
في ضوء هذه المعطيات، قال هارون صالح، الناشط والمتابع لشؤون النازحين في شمال دارفور، للجزيرة نت: إن هذه الحرائق المتكررة في مخيمات طويلة والعمدة وروكرو لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد حوادث فردية، وإن كل الدلائل تشير إلى أنها “محاولة ممنهجة لإرغام النازحين على العودة القسرية إلى الفاشر، من خلال تدمير مأواهم الوحيد، وحرق ما تبقى لهم من ممتلكات، وإشاعة الرعب في صفوفهم”.
وأضاف: “نلاحظ أن الحرائق تستهدف مخيمات بعينها تضم بأغلبية ساحقة نازحين من الفاشر، بينما لا تشهد تجمعات أخرى حرائق مماثلة. كما أن توقيتها يتزامن مع ذروة رفض النازحين للعودة، ومع تصعيد الحديث عن إعادة الإعمار في الفاشر، رغم أنها لا تزال تعاني من كارثة إنسانية وأمنية. والأكثر إيلاما أن نتائج الحرائق لا تقتصر على تدمير المساكن فحسب، بل تمتد إلى حرق المواد الغذائية والإمدادات الأساسية”.
وتابع الناشط صالح: “صحيح أن فرضية وجود حرائق مفتعلة تبقى -حتى الآن- استنتاجا وتحليلا في غياب تحقيق ميداني مستقل وأدلة قاطعة. لكنها فرضية مطروحة بقوة من قبل أهالي المخيمات والنشطاء والمراقبين المحليين في المنطقة”.
وحاولت الجزيرة نت التواصل مع قوات الدعم السريع للتعليق على هذه الاتهامات المتعلقة بتعمد إشعال الحرائق، إلا أنها لم ترد على طلبنا حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
وتواصل الحرائق التهام مآوي النازحين وإمداداتهم الغذائية في ظل صمت دولي مطبق، فيما بقيت المنظمات الإنسانية عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الحماية أو حتى معدات الإطفاء الأساسية. ففي وقت تتركز فيه جهود الإغاثة على إنقاذ الجوعى والمرضى، تبقى مشكلة الحرائق خارج الأولويات، رغم أنها تتفاقم يوميا وتضاعف معاناة من فقدوا كل شيء، وفق مراقبين.
وأكد آدم رجال، المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور: “النازحون فروا من الموت بالرصاص ليواجهوا موتا آخر بالنار. الحرائق تلتهم أحلامهم وممتلكاتهم، وتتركهم في العراء بلا مأوى، فيما المجتمعات من حولهم تعاني فقرا مدقعا ولا تملك ما تقدمه”.
وفي العراء، تحت سماء شمال دارفور القاسية، يواصل النازحون في طويلة والعمدة وروكرو صراعهم اليومي مع لهيب النيران، ينتظرون فرجا لا يأتي.
المصدر: الجزيرة





