هل ستنسحب القوات الأمريكية من العراق؟

 

 

 

 

ذ.يحيى الكبيسي
كاتب عراقي

 

 

 

وقع العراق والولايات المتحدة عام 2008، اتفاقية أمنية نصت على أن تنسحب القوات الأمريكية من العراق بتاريخ لا يتعدى 31 كانون الأول/ سبتمبر 2011، في حال عدم اتفاق الطرفين على تمديد بقائها. وبالفعل انسحبت القوات الأمريكية في الموعد المحدد، بعد فشل المفاوضات التي جرت بين الطرفين للإبقاء على جزء منها في العراق.
في أيلول/ سبتمبر 2014 تشكل التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» (داعش) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وقد وفر دخول العراق عضوا في هذا التحالف، الإطار القانوني الذي أتاح للقوات الأمريكية، وبعض قوات التحالف الأخرى، العودة إلى العراق للقيام بمهمات قتالية، من دون أن يكون هناك أي إطار قانوني يحكم وجودها. والمفارقة في هذا الصدد أن أحدا لم يعترض حينها على هذا التفويض المفتوح، حتى وكلاء إيران في العراق أنفسهم!

ومراجعة الوقائع بين أيلول/ سبتمر 2014، وأيار/ مايو 2019 تكشف أن هذه القوات لم تتعرض أبدا إلى هجوم أو اعتداء خلال هذه الفترة، ولكن بداية من 19 أيار/ مايو 2019 بدأت صواريخ الكاتيوشا تتوجه نحو السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، فضلا عن أهداف أمريكية أخرى. وكان واضحا أن هذا الاستهداف لا يرتبط بوجود القوات الأمريكية التي مر على وجودها أكثر من أربع سنوات، بل ارتبط أكثر بسياق المواجهة الإيرانية الأمريكية التي بدأت مع خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران في أيار عام 2018، ثم حزمة العقوبات الأمريكية التي فرضت على إيران في نوفمبر/تشرين الأول 2018.
ومع كل رسائل الكاتيوشا، والخطابات مرتفعة الصوت حول سحب هذه القوات، بالتحديد بعد مقتل سليمان ـ المهندس في يناير/كانون الثاني 2020، لم يصدر عن الحكومة العراقية أي قرار بسحب القوات الأمريكية من العراق، ما عدا قرار من مجلس النواب صدر في يناير 2020 يدعو لسحب هذه القوات، وقد كان هذا القرار دعائيا لا قيمة دستورية أو قانونية له وغير ملزم للحكومة العراقية!

ولم تُقدم الحكومة العراقية على تقديم طلب للانسحاب من التحالف الدولي ضد «داعش» الذي هو المقدمة الضرورية لسحب القوات الأمريكية من العراق، بل جرت مفاوضات ثنائية بين الطرفين انتهت إلى الإعلان عن «انتهاء المهمات القتالية للقوات الأمريكية في العراق» في يوليو/تموز 2021، مع استمرار بقاء جزء من هذه القوات لتولي مهام تدريب الجيش العراقي وإمداده بالاستشارات العسكرية.
لكن مسلسل الاستهداف المقنن للقوات الأمريكية لم يتوقف، واستمر حتى لحظة أداء حكومة محمد شياع السوداني، اليمين الدستورية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، حيث توقف تماما على مدى عام تقريبا، ثم استؤنف ثانية في سياق الحرب على غزة.

يثبت كل ما تقدم، أن موقف القوى السياسية الشيعية من القوات الأمريكية في العراق ليس محكوما بمبدأ أو إيديولوجيا بقدر ما هو موقف انتهازي يتعلق بعاملين: الأول الحاجة الفعلية لتلك القوات كما حصل في سياق الحرب على «داعش» والثاني مرتبط بتحولات العلاقات الأمريكية الإيرانية من جهة، والمصالح الإيرانية في الإقليم من جهة ثانية.
هذا التباين بين مواقف وخطابات الفاعل السياسي الشيعي في العراق من وجود القوات الأمريكية، إنما يثبت شيئا واحدا، هو أنه ليس هناك قرار إيراني نهائي بخروج القوات الأمريكية من العراق في الوقت الحالي، وأنه ليس هناك إرادة حقيقية لدى الأطراف الشيعية العراقية الحليفة أو المرتبطة عضويا بإيران، لخروج هذه القوات، لأن إيران تدرك تماما أن إخراج العراق للقوات الأمريكية، يعني أن أمريكا ستلزم العراق بجميع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وأن إيران لن تستفيد مجددا من الاستثناءات التي يحصل عليها العراق من الولايات المتحدة بشأن هذه العقوبات، وهي تخشى أيضا من أن الخروج القسري للقوات الأمريكية من العراق قد تستتبعه عقوبات أمريكية على العراق نفسه، وبالتالي ستكون إيران المتضرر الرئيس منه بسبب اعتمادها على التجارة مع العراق بشكل كبير.

من أجل كل ذلك، لن يكون هناك، في المدى المنظور، طلب رسمي من الحكومة العراقية بالخروج من التحالف الدولي ضد «داعش» أو طلب رسمي بخروج القوات الأمريكية من العراق، بل ستلجأ الحكومة إلى استنزاف الوقت لحين انتهاء الحرب في غزة لإعادة ترتيب أوراقها.
من جهة ثانية فإن الحكومة العراقية، وفقا للتقديرات العسكرية والأمنية، لاتزال تعتقد أن هناك ضرورة لوجود قوات التحالف الدولي ضد «داعش» في العراق، وهي تدرك أن طلب سحب القوات الأمريكية من العراق سيعني خروج العراق الذي يوفر الغطاء القانوني من هذا التحالف، وبالتالي خروج القوات الأجنبية الأخرى الموجودة في العراق في إطار ذلك التحالف، بما في ذلك حلف الناتو، وهو ما لا تريده هذه الحكومة. كما أنها تعلم جيدا أن القوات الأمريكية الموجودة في شرق سوريا تعتمد على قواعدها في العراق للدعم اللوجستي لتلك القوات، وخروج القوات الأمريكية من العراق سيعقّد عمل القوات الأمريكية الموجودة في سوريا كثيرا، لأنها ستضطر إلى الاعتماد على الأردن لتوفير ذلك الدعم اللوجستي عبر الجو، وليس عبر الأرض، وأي اختلال في الموقف على الأرض في سوريا، سيعني، بالضرورة، منح «داعش» فرصة لإعادة انتشارها في العراق.

في النهاية لا يمكن النظر إلى مواقف الميليشيات العراقية التي تستهدف القوات الأمريكية على أنها مواقف ذاتية، فلا قرار ذاتيا لهذه الميليشيات، بل هي تنفذ الأوامر الإيرانية، وبالتالي ما دامت مصلحة إيران، في الوقت الحاضر، لا تنسجم مع خروج نهائي للقوات الامريكية من العراق في الوقت الحالي، فلن يكون هناك ضغط حقيقي من هذه الميليشيات للتسريع بإخراجها، وستتوقف التحرشات التي تحدث اليوم، بمجرد نهاية الحرب على غزة.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...