نحو الهيمنة الافتراسية.. الشعب الصينية: أمريكا تدخل المستقبل بخطى عكسية

إيطاليا تلغراف متابعة

نشرت صحيفة الشعب اليومية الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني مقالا تحليليا سلطت فيه الضوء على تحول خطير في مسار السياسة الأمريكية، قالت إنه يقودها تدريجيا نحو ما يسمى “الهيمنة الافتراسية” في تعاملها مع العالم.

ومن خلال استعراض جملة من السياسات والوقائع الدولية، حاول المقال الإجابة عن السؤال الجوهري: هل تسير الولايات المتحدة إلى المستقبل بعقلية “رجعية” تضعف مكانتها وصورتها في العالم بدل أن تسعى إلى تعزيزهما؟

وارتكز المقال على مفهوم “الهيمنة الافتراسية” الذي طرحه أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن وولت، وعرّفه بوصفه نمطا من السلوك تستغل فيه الولايات المتحدة موقعها المهيمن داخل النظام الدولي، لانتزاع التنازلات والموارد وأشكال الخضوع من الخصوم والحلفاء على السواء.

ووفق هذا المفهوم، تنظر واشنطن -حسب الصحيفة- إلى كل علاقة ثنائية باعتبارها لعبة محصلتها صفر، وتسعى لاستخلاص أكبر قدر ممكن من المكاسب في كل تفاعل، تحت شعار ضمني مفاده “ما هو لي فهو لي، وما هو لك قابل للتفاوض”.

وقد أظهر سلوك الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة -حسب الصحيفة- هذا المنحى بوضوح، من خلال الانسحاب الأحادي من اتفاقيات دولية وتجاهل الالتزامات متعددة الأطراف، والتعامل الانتقائي مع القواعد الدولية، واستخدام الحروب التجارية والرسوم الجمركية كأدوات للابتزاز الاقتصادي، وصولا إلى اللجوء المتكرر إلى القوة أو التهديد بها ضد دول ذات سيادة للاستحواذ على الموارد.

دور متدهور

وأُدرِج المقال في هذا السياق التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط بعد الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، معتبرا أن استمرار التوتر هناك يعكس منطق “الهيمنة الافتراسية” ذاته.

تراجع موقع الولايات المتحدة من شريك يقدم بعض المنافع العامة الدولية ويحافظ على شبكة تحالفات إلى مدمر للقواعد ومعطل للتعاون، يعتمد أكثر فأكثر على منطق شريعة الغاب

بواسطة صحيفة الشعب الصينية

وأشار المقال إلى أن تدهور الدور الأمريكي يظهر على مستويين:

  1. مستوى الصورة والوظيفة، إذ تراجع موقع الولايات المتحدة من “شريك يقدم بعض المنافع العامة الدولية ويحافظ على شبكة تحالفات” إلى ما يسميه المقال “مدمر القواعد ومعطل التعاون” الذي يعتمد أكثر فأكثر على منطق “شريعة الغاب”.
  2. مستوى الذهنية الإستراتيجية، إذ يربط المقال هذا التدهور بحالة قلق عميقة داخل واشنطن من تراجع الوزن النسبي للاقتصاد الأمريكي، مذكّرا ببيانات البنك الدولي التي توضح هبوط حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي، من نحو 40% عام 1960 إلى نحو 25% عام 2023، وما صاحب ذلك من صعود جماعي لدول الجنوب العالمي.

وبحسب الكاتب، فقد قادت هذه التحولات بعض النخب السياسية الأمريكية إلى تبني عقلية “أمريكا أولا” على نحو أكثر تشددا، ومع تصاعد الشعبوية والانقسام الداخلي وجدت هذه النخب خلاصها في تعظيم المكاسب القصيرة الأجل حتى لو كان الثمن تقويض المؤسسات والقواعد التي أسهمت واشنطن نفسها في بنائها، مستشهدا بذلك بما حذر منه وولت في مقاله بمجلة “فورين أفيرز” من أن “الهيمنة الافتراسية” تحمل في داخلها بذور تدمير ذاتي.

فخ التفكير الصفري

ويعرض المقال ثلاثة أسباب يراها كفيلة بتفسير هذه النتيجة، أولها أن هذا النمط من الهيمنة يخلط بين القوة المادية وبين النفوذ الحقيقي، لأن النفوذ الدولي يقوم على بناء مصالح مشتركة والمحافظة على المصداقية، لا على استدعاء خطاب “الضحية” لتبرير انتهاك الالتزامات والانسحاب من الاتفاقيات متى تعارضت مع المصالح الفردية.

والسبب الثاني هو وقوع السياسة الأمريكية في فخ التفكير الصفري، لأن الإصرار على انتزاع “أقصى مكسب” من كل علاقة، يدفع الحلفاء إلى الشعور بعدم الأمان ويدفع الدول المترددة إلى البحث عن بدائل.

ويستند الكاتب في ذلك إلى استطلاع رأي عالمي أجرته مؤسسة غالوب عام 2025، أظهر تراجعا في نسبة التأييد للولايات المتحدة بأكثر من 10 نقاط مئوية في 44 دولة، معتبرا أن ذلك مؤشر على أن واشنطن تفقد أصدقاءها بسرعة مذهلة نتيجة لهذا السلوك.

أما السبب الثالث فهو أن “الهيمنة الافتراسية” تقلل من مرونة التعددية القطبية، وفي هذا الإطار يلفت الكاتب إلى مقال بمجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية، يشير إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين ما زالوا أسرى تفكير يعود إلى القرن الـ19، قائم على الاستيلاء على الأراضي ونهب الموارد وتحطيم المنافسين.

وينتهي المقال إلى أن انزلاق الولايات المتحدة نحو “الهيمنة الافتراسية” يعني عمليا، أنها تختار أن تدخل المستقبل بخطى عكسية، وهو ما فسّره وولت بأنه التوجه الذي قد يدرّ مكاسب آنية، لكنه على المدى البعيد سيجعل أمريكا أكثر فقرا وأقل أمنا وأضعف تأثيرا.

ودعا الكاتب واشنطن إلى التخلي عن منطق الهيمنة والرجوع إلى طريق التعددية والتعاون الدولي باعتباره المسار الوحيد الملائم لدولة كبرى في عالم آخذ في التشكل على أسس أكثر تنوعا وتوازنا.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...