موت أبيض (قصة قصيرة)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

حميدة جامع
كاتبة وقاصة من المغرب

 

 

 

غفرانك ربي غفرانك. اضطجعت على ظهري، لففت نفسي بكفن أبيض ناصع لونه، أغمضت عيني، وتهيأت للرحيل.
يوم الأحد أبغض أيام الأسبوع عندي (سامحني الله)، لقد لفظني هذا الأحمق المتسربل في طيشه، تنكر لي. السبت قبله كان أرحم بي، كان يشبه أيامي الأخرى.

يا الله، ها أنا ذي وحدي قد أعددت العدة للرحيل… أقنعت نفسي بذلك وتهيأت.

رباه، أسمع معاول حفاري قبري، ضحكات مكتومة، ووشوشات الحاضرات….
ألقين علي نظرة الوداع الأخير.
قالت إحداهن: لقد تغير لونها وهزل حجمها.
أجابتها أخرى: أنفها كان أفطس لكنه استقام الآن.
وبسخرية وتهكم همست الحاجة: أصبحت مثل هيكل عظمي؛ مسكيينة…. ستتعفن ويغزوها الدود.. وأردفت بشماتة: نعم الدود المختلف أشكاله وأنواعه.
تذكرت إصبع قدمي الصغير الذي به اعوجاج …ترى هل استقام الآن؟ شحمة أذني هل أصبحت رفيعة؟

غفرانك ربي غفرانك. يا الله، مازلت أسمع كل من يتحدث وكأنني لم أمت. ما هذا؟ هل هكذا يموتون؟! أستطيع أن أتحدث إلى نفسي حتى.. الفرق الوحيد هو أنني أسمع حفيف الأشجار وخرير المياه وعواء الكلاب ومواء القطط …أسمع طنين الحشرات وفحيح الأفاعي…أسمع ذلك بوضوح ومن بعيد.

غفرانك ربي. رباه، اختلست النظر، استرقت السمع، كبرت وحوقلت، قرأت المعوذتين، نطقت الشهادتين مرتين، تصرفت باعتداد بالنفس وبلباقة. أنهيت أيامي، أفنيت عمري.
لم يسبق لي أن رتبت أمرا ونجحت فيه، لم يسبق لي أن خططت لحياتي وسطرت أهدافا وحققتها.
رباه، فلتكن نهايتي مدبرة، مخططا لها.
غفرانك ربي، اسمح لي أن أخطط لموتي.
آه، لقد اخترت يوم موتي، واشتريت الكفن، ولففت جسدي به…
تذكرت الأواني، نعم أواني أكل المدعوات والمدعوين …أين سيتناول المعزون عشاء قبري؟ في غرفة الضيوف أم في السطح؟
ولج ابني بدر الغرفة حيث الجسد مسجى، يبحث بعصبية عن شيء ما …اقترب مني وانحنى فوقي وهمس، أين وضعتها أمي …؟!
هممت بالرد عليه، إنه ابني فلذة كبدي. ماذا سيحل به بعد موتي،
يا أ الله، ربي غفرانك، مشيئتك يا أ الله أن أودع الحياة قبله، ربي، خلقتني وأنا عبدتك، لي رجاء عندك، فليذهب معي، لا تتركه بعدي.
استرقت السمع، رمشت عيناي، وارتعش حاجباي، كأنني ماز لت على قيد الحياة.
وشوشات صديقاتي تناهت إلى سمعي، بعض الضحكات الخافتة هي الأخرى استوطنتني …

غفرانك ربي، هل الموت كما الحياة، هل سأظل أسمع وأرى وأحس؟

ربي إني سلمت أمري لك، أطعتك كما أمرت، متى سأنفصل عن العالم عن المحيط …متى سأحس بدبيب النمل فوق جسدي..
لم أستطع النظر في عين الموت، كما لم أستطع النظر في عين الشمس.
اقتربت ابنتي مني وهمست في أذني بصوت خافت، انهضي أمي، انهضي.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...