تحولت قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المتهم بإدارة شبكة واسعة للاستغلال والاتجار الجنسي بالقاصرات، إلى اختبار لمدى قدرة المؤسسات الأمريكية على محاسبة أصحاب النفوذ وكشف حقيقة ما جرى.
ففي مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، ترى الكاتبة راشيل لويز سنايدر أن ملايين الصفحات التي أفرج عنها من ملفات القضية لا تمثل نهاية الطريق، بل تعد دليلا على حجم الإخفاق الجماعي في حماية الضحايا ومحاسبة المتورطين.
وتستهل سنايدر مقالها بوصف زيارتها لمعرض مؤقت في واشنطن يحمل اسم “قاعة دونالد ترمب وجيفري إبستين للقراءة” بالقرب من وزارة العدل في واشنطن، حيث تعرض 3437 مجلدا تضم نحو 3.5 ملايين صفحة من الوثائق التي أفرج عنها حتى الآن. وتقول إن المشهد جسد صورة صادمة لفشل مؤسسات عديدة في التصدي لجرائم استمرت سنوات.
محاسبة من فعل ومن قصّر
وترى الكاتبة أن الشعار الذي يرفعه كثيرون، وهو “أفرجوا عن جميع الملفات”، لا يعبر عن فضول سياسي فحسب، وإنما عن مطالبة بمحاسبة كل من أسهم بالفعل أو بالتقصير في استمرار جرائم إبستين. وتشير إلى أن وزارة العدل الأمريكية، رغم صدور قانون يلزمها بنشر الملفات، قدمت وثائق منقوصة ومليئة بالمعلومات المحجوبة، الأمر الذي أبقى أسئلة كثيرة بلا إجابات.
وتنقل نيويورك تايمز عن ناجيات من شبكة إبستين أن العدالة لا تتحقق بمجرد التعويضات المالية أو وفاة بعض المتهمين. فإبستين توفي، وشريكته غيسلين ماكسويل تقضي عقوبة بالسجن، بينما يرى كثير من الضحايا أن شخصيات ومؤسسات أخرى خرجت من القضية بأقل قدر من المساءلة.
وتشير الكاتبة إلى أن عددا من البنوك الكبرى، بينها بنك أوف أمريكا، وجيه بي مورغان تشيس، ودويتشه بنك، دفعت أكثر من 400 مليون دولار لتسوية دعاوى مدنية رفعها ضحايا اتهموا هذه المؤسسات بتجاهل أو تسهيل أنشطة إبستين المالية. لكنها تعتبر أن هذه التسويات لا تمثل عدالة حقيقية، لأن الأرباح التي حققتها تلك المؤسسات تفوق بكثير قيمة التعويضات.
الرأي العام لم يغلق الملف
كما يلفت المقال إلى أن القضية طالت شخصيات عامة ارتبطت أسماؤهم بإبستين بدرجات متفاوتة، وأن الرئيس ترمب يواصل نفي ارتكاب أي مخالفات، كما نفى الاتهامات المتعلقة بسوء السلوك الجنسي التي وجهتها إليه بعض النساء.
وتؤكد سنايدر أن أوروبا تبدو أكثر نشاطا في متابعة خيوط القضية، مع فتح تحقيقات جديدة في فرنسا والنرويج، معتبرة أن الضغوط الدولية قد تساعد في كشف المتورطين الذين لم تطلهم المساءلة حتى الآن.
وتخلص الكاتبة إلى أن العدالة في قضية إبستين لا تقتصر على نشر الوثائق أو إصدار التعويضات، بل تتطلب تحقيقا مستقلا وشاملا يشمل كل من تستر على الجرائم أو سهل وقوعها، سواء كانوا مسؤولين حكوميين أو مؤسسات مالية أو شخصيات نافذة.
وتؤكد أن الرأي العام الأمريكي لم يغلق هذا الملف بعد، وأن المطالبة بالحقيقة والمحاسبة لا تزال مستمرة، حتى إذا اعتبرت وزارة العدل أن القضية شارفت على نهايتها.
المصدر: الجزيرة






