مشروع قانون من حزب ميلوني لإغلاق مئات المساجد بإيطاليا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ. أحمد براو

 

 

 

تطور جد مثير للقلق بالنسبة للجالية المسلمة بإيطاليا ما تروجه كواليس مجلس النواب حول إعادة تقديم مقترح القانون لمنع إنشاء المساجد في المرائب والكرجات والمستودعات. ويتعلق القانون المقترح بأنظمة التخطيط الحضري واحترام البيئة والديكور العام وينص بالنسبة للأديان التي لم توقع اتفاقًا مع الدولة كالإسلام، أنه لا يمكن لجمعياتها الثقافية التي تستخدم عقارًا استخداما غير منصوص عليه قانونا، كالخلط بين مقار جمعيات المجال الثالث وأماكن للعبادة.

ويتعهد رئيس الفريق البرلماني لحزب إخوان إيطاليا الحاكم تومازو فوتي بأن مشروع القانون المقدم للبرلمان الإيطالي يحظر استخدام مكاتب ومقار الهيئات والمراكز الدينية والثقافية لأنشطة العبادة والصلاة، وكما أوضح مقرر نفس الحزب فابريزيو روسي عند توضيح النص في لجنة البيئة، فإن القانون العام “يهدف إلى الحد من تطبيق الواقع الحالي مع الأخذ في الاعتبار الإنتشار الكبير في العقد الأخير للمساجد، مع أن الجمعيات الثقافية هي حصرية الوظيفة السائدة وليس لإدارة دور العبادة للجالية المسلمة في العقارات، والتي لا تتوفر فيها متطلبات التخطيط العمراني والهيكلية والسلامة اللازمة لهذا الاستخدام الديني”. ومما هو معلوم فهذا القانون يستهدف الإسلام لأنه هو الدين الوحيد، من بين الديانات الأكثر انتشارًا في إيطاليا، الذي لم يوقع اتفاقية مع الدولة. فيما يرى المتتبعون أن الجدل الحالي يأتي بعد أخذ ورد بين الجالية المسلمة والإئتلاف اليميني الحاكم بقيادة جورجيا ميلوني ونائبها ماثيو سالفيني بسبب قرب موعد الإنتخابات الأوروبية والمحلية بحيث دعت الهيئات والمؤسسات الإسلامية خاصة اتحاد الجاليات الإسلامية الإيطالية أوكوي إلى عدم التصويت لليمين الحاكم بسبب موقفه من العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين خاصة مع الحرب المدمرة وجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية لسكان غزة.
وقد حذر رئيس اتحاد الهيئات الإسلامية بإيطاليا، دكتور ياسين لفرم، أن “الحزب اليميني الحاكم عادة ما يطرح مثل تلك القوانين التي تحارب الإسلام والمسلمين، كمنع الحجاب، ومنع دخول المحجبات في الأماكن العامة وغيرها، ولكن الخطورة تكمن هذه المرة من خلال القانون المعروف إعلاميا في إيطاليا بـ”ضد المساجد” لأن الحزب اليميني أصبح لديه أغلبية داخل البرلمان الإيطالي، وأصبح لديه نفوذ وسلطة لتنفيذ القانون”.
وصرح الدكتور عز الدين الزير إمام مدينة فلورنسا. «من يقترح قانوناً مماثلاً يحتاج إلى دروس في الدستور. وينص الميثاق على حرية الدين ويتم رفض أي مشروع قانون لا يتماشى مع هذه المبادئ. وقد حاولت عدة جهات في إيطاليا القيام بشيء مماثل لكنها فشلت لأنه غير دستوري. “ومن المؤسف أن بعض السياسيين الموجودين في الحكومة اليوم لم يفهموا أن مجتمعنا قد تغير وعليهم تقديم إجابات لحل المواقف وليس لتحويل مشاكل المجتمع” يؤكد الدكتور عز الدين الزير عضو المجلس الإداري للأوكوي.

– الإسلام هو الديانة الثانية أكثر انتشارا بإيطاليا

يمثّل المسلمون حوالي (2.7 مليون)، أو 4.9٪ من السكان المقيمين في إيطاليا، وتشمل هذه الإحصائيات كلاً من المواطنين الإيطاليين والمقيمين بجنسية أجنبية. أما بالنسبة للمكون المسلم من السكان فتحتل إيطاليا مرتبة أقل من المتوسط ​​الأوروبي ، أي ما يعادل 6.8٪ ورغم ذلك يحتل الإسلام المرتبة الثانية كأكثر الديانات انتشارًا في إيطاليا ، يتكون معظمهم من مواطني شمال إفريقيا وخاصة المغاربة بنصف مليون، يليهم مواطنو دول القارة الأوروبية والبلقان؛ الألبان والكوسوفار ثم المواطنون الآسيويون على وجه الخصوص من بنغلاديش والباكستان. وبالتالي ، فإن عدد المسلمين في إيطاليا مستقر ، مع نمو سنوي يقارب مائة ألف شخص لأسباب مختلفة ، بينما من حيث القارة الأوروبية فهي رابع دولة من حيث العدد المطلق ، كما يبلغ عدد المسلمين حاملي الجنسية أقل من النصف من حيث العدد الإجمالي للمسلمين بإيطاليا أي حوالي (1.2 مليون) مسلم إيطالي 51% منهم ولدوا في إيطاليا و 40% حصلوا على الجنسية والباقي أي 9% تحولوا إلى الإسلام .

– أدوار “المساجد” و المراكز الإسلامية.

الآن هناك حوالي 1600 “مسجد” في إيطاليا، منها 5 فقط تحت إشراف الحكومة الإيطالية وتتمتع بالشخصية القانونية، ومعترف بها كدور عبادة ومساجد خالصة، والبقية عبارة عن مراكز وجمعيات تستخدم فيها مكاتبها و مقراتها والتي تكون غالبيتها مستودعات ومآرب تحت العمارات، أو بنايات لبعض الشركات المغلقة، لإعادة استعمالها وتدويرها حتى تصبح معابد ومصليات تحتوي على صالة وملحق للنظافة والوضوء، بدون أدنى مقومات سليمة ومسوغات قانونية ومع ذلك يسمح لها بطريقة أو بأخرى تحت مسميات الجمعيات الثقافية والإجتماعية والتطوعية تندرج في المجال الثالث ، وتستعمل كأماكن للإجتماعات والتجمهر الذي يكفله القانون المنظم للجمعيات فيما تغض السلطات الطرف عن استخدامها كأماكن للعبادة والصلاة خاصة بالمسلمين رغم عدم حصولها على رخصة دور العبادة. وقد عرفت فتح دور العبادة للطائفة المسلمة طفرة نوعية في القرن الحالي إذ تضاعف عددها من أقل من 800 مسجد قبل سنة 2000 إلى حوالي الضعف في الوقت الراهن.
لابد ان نشير أن هذه المراكز والمساجد كانت هي المتنفس الوحيد للجالية المسلمة وهي أماكن التعبد والراحة النفسية والروحية وقد ساهمت بشكل كبير رغم بساطتها في سد النقص الذي كان يعاني منه المهاجر المسلم بإيطاليا من الناحية الدينية بحيث يلْتقي هناك بإخوانه المسلمين ويؤدون الصلوات والأذكار وتلاوة القرآن ويربّون أبناءهم على حب التدين واحترام المقدسات وتعليمهم اللغة العربية والقرآن الكريم ويجتمعون في المناسبات الدينية مثل رمضان والجمعات والأعياد وبعض المناسبات واللقاءات والدروس الدينية للرجال والنساء، مع حضور العلماء والمشايخ والدعاة من خارج إيطاليا ، وإقامة مسابقات حفظ القرآن والتلاوة للأطفال.
كما تعرف أيضا مراسيم إعلان الدخول في الإسلام لبعض الإيطاليين وإقامة مراسيم الزفاف على الطريقة الإسلامية والصلاة على الميت وتشييع الجنائز وجمع التبرعات لإعانة المحتاجين وإرسالها لبعض الدول الإسلامية التي تعاني من الكوارث والحروب.

وبجانب ذلك كله لم تتعرض الجالية المسلمة للتضييق من طرف السلطات إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأليمة التي عرفت تفتيشا ومراقبة وتتبعا من طرف الأمن الإيطالي وتمكنت السلطات من إلقاء القبض على بعض المتطرفين من المرتادين للمساجد وبعض الأئمة التكفيريين والمتطرفين االذين كانوا يمجّدون العمليات الإرهابية ورحّلت عدد كبير يفوق المائة من هؤلاء المتابَعين قضائيا بتهمة العنف والتمييز والتطرف. زيادة على ذلك الإستهداف من طرف السياسيين الشعبويين من اليمين المتطرف “رابطة الشمال وإخوان إيطاليا” الأغلبية الحاكمة حاليا والذين يتهمون المسلمين بتعاليهم وعدم احترامهم للقواعد والقوانين المنظمة لدور العبادة وعرفت بعض الأحيان اعتداءات عنصرية ضدها، كالكتابة على الجدران وإلقاء الزجاحات الحارقة و ترك القاذورات ورؤوس الخنازير أمام أبوابها. وسط اتهامات باعتماد اللغة العربية وليس الإيطالية وأن لهم أئمة غير مؤهَّلين وليس لهم إلمام بالثقافة والتعليم الكافي في المدارس والجامعات الإيطالية. ثم أن هذه المساجد المخالفة للقانون مباني مترهلة وتفتقر لأدنى مقومات السلامة والأمان والنظافة واحترام القوانين والأعراف والبيئة الحضارية للمدينة، وكذلك انغلاقها وانزواءها عن التواصل مع المجتمع الإيطالي.

فيما يخص القانون وحظر الصلاة بالفعل هناك الكثير من المساجد لا تستوفي الشروط الصحية والقانونية، لإنشاء مسجد مرخص لكن دائما ما كانت المؤسسات الإسلامية تطالب المسؤولين بحوار مباشر وإيجاد السبل القانونية لضمان حرية الممارسة الدينية ولكن دون جدوى، ولم تتمكن هذه الجمعيات الثقافية والمراكز الإسلامية الحصول على تراخيص لبناء مساجد وإقامتها، وهو ما دفع الكثير إلى اللجوء لإنشاء مراكز وجمعيات تحت طائلة المجال الثالث الغير ربحي، وشراء أو إيجار كراجات ومحال أو حتى مستودعات في المناطق الصناعية لتجنب التضييق على هذه المراكز داخل المدن لممارسة الأنشطة الاجتماعية والشعائر الدينية.
مقترح القانون المخيف والمثير للجدل عرف معارضة قوية خاصة من بين فقهاء الدستور الإيطالي ومن أحزاب المعارضة كالحزب الديموقراطي والخمس نجوم والخضر واليساريين لأنه يستهدف التمييز الديني ضد الطائفة المسلمة ولأنه يتعارض وروح الدستور الإيطالي العلماني الذي يعطي الحق للتعبد وإنشاء دور العبادة لجميع الطوائف بدون تمييز أو تفضيل لديانة عن أخرى.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...