حقائب أموال وقنابل جيب.. كواليس عمليات خاصة قلبت موازين القوى

إيطاليا تلغراف متابعة

في مساحات لا تصلها عدسات الكاميرا، تتشكل قرارات كبرى عبر تحركات محدودة في حجمها عميقة في أثرها، فهناك تتحرك حقائب الأموال بهدوء وتُحسم مصائر بأدوات خفيفة وسريعة، فيما يُعاد رسم توازنات دولية كاملة من خلف الستار بعيدا عن ضجيج الحروب التقليدية.

ويستعرض فيلم “العمليات الخاصة” الذي عُرض على شاشة الجزيرة، باقة من هذه الأنماط السرية التي تنوعت أهدافها بين إسقاط حكومات، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ اغتيالات دقيقة، وصولا إلى تحرير رهائن في ظروف معقدة، كاشفا كيف تُدار هذه الأدوات بمرونة ضمن سياقات سياسية وأمنية متغيرة.

ويعتمد الفيلم في بنائه السردي على شهادات يقدّمها مسؤولون سابقون في أجهزة استخبارات، وخبراء في الأمن والدراسات الإستراتيجية، إلى جانب أكاديميين في القانون الدولي، وتمنح هذه الأصوات الفيلم عمقا تحليليا يربط بين الخبرة الميدانية والقراءات السياسية والقانونية المتقاطعة.

وكان من أبرز محطات الفيلم عملية “أياكس” في إيران، حيث أُطيح بحكومة محمد مصدق عبر شبكة معقدة من التمويل السري والتحريض الإعلامي واستثمار التوترات الداخلية، في نموذج كشف قدرة العمليات الخاصة على إعادة تشكيل توازنات الحكم داخل الدول.

وتتسع الصورة عبر شهادات الضيوف، إذ تُعرض “أياكس” بوصفها نقطة انطلاق لنهج تكرر لاحقا بصيغ مختلفة، ويشرح مختصون في الاستخبارات كيف تعتمد هذه العمليات على قراءة دقيقة للبنى الاجتماعية والسياسية بما يسمح بالتأثير في مراكز حساسة تُحدث تحولات واسعة وممتدة.

وفي مقابل توظيف الأموال، يطرح الفيلم نموذجا للإخفاق عبر “عملية سوزانا” في مصر مطلع الخمسينيات، حيث سعت الاستخبارات الإسرائيلية لضرب الثقة الغربية بحكومة جمال عبد الناصر، لكن المخطط انهار سريعا، حين اشتعلت إحدى “قنابل الجيب” المخبأة داخل بنطال عميل أثناء وجوده بدار سينما في القاهرة.

ويوضح الوثائقي كيف تهاوت تلك الخطة نتيجة إهمال قاعدة الفصل السري بين الخلايا، فمع توقيف العميل الأول بدأ تأثير الدومينو الذي أدى إلى اعتقال الشبكة بأكملها، لتتجاوز التداعيات الساحة الميدانية وتتحول إلى فضيحة سياسية عاصفة خلّفت ارتدادات امتدت لسنوات.

عميل مزدوج

وفي برلين، يستعرض الفيلم فصلا آخر من حروب الظل، مع مشروع “نفق برلين” الذي مكّن الاستخبارات الغربية من التنصت على الاتصالات السوفياتية، وتتجلى هنا براعة التخطيط والتنفيذ إلى جانب تعقيدات المشهد الاستخباراتي الذي تتداخل فيه المعرفة والخداع ضمن سياق تنافسي حاد.

وتُظهر هذه العملية كيف تتحول المعلومة إلى أداة تأثير حاسمة وكيف تدار المواجهات بعيدا عن ساحات القتال التقليدية، فامتلاك القدرة على الوصول إلى أسرار الخصم وتفكيك قراراته يمنح أفضلية نوعية ويجعل الاستخبارات عنصرا مركزيا في معادلات القوة بين الدول.

غير أن الفيلم يكشف أن “نفق برلين” رغم ما مثّله من إنجاز استخباراتي غربي، كان جزءا من لعبة مضادة أكثر تعقيدا، إذ كانت الاستخبارات السوفياتية على علم مسبق عبر عميل مزدوج، ما سمح بتمرير معلومات مضللة أفرغت العملية من قيمتها الفعلية.

ينتقل السرد إلى النرويج، حيث عملية “ليلهامر” التي نفذها جهاز الموساد وانتهت باغتيال شخص بريء نتيجة خطأ في التقدير، ويضع الفيلم هذه الحادثة في سياقها الأوسع بوصفها مثالا على حساسية هذا النوع من العمليات وما يرافقه من تداعيات سياسية وقانونية.

وتكشف مداخلات الضيوف أن هامش الخطأ يظل حاضرا رغم دقة التخطيط في ظل اعتماد هذه العمليات على معطيات متغيرة وسرعة في التنفيذ، وتُظهر هذه العوامل كيف يمكن لقرار واحد أن يقود إلى تداعيات تتجاوز الهدف المحدد وتمتد آثارها إلى مستويات متعددة.

وتتغير زوايا النظر إلى هذه العمليات تبعا لسياق استخدامها، إذ يثير توظيفها في الاغتيالات أو دعم تغييرات سياسية داخل دول أخرى نقاشا أوسع حول حدود القوة، ودور الاعتبارات الأخلاقية في توجيه القرار الأمني في البيئات المعقدة.

البنية التنظيمية

ويستعرض الفيلم البنية التنظيمية التي تقوم عليها هذه العمليات، بدءا من وحدات النخبة مرورا بأجهزة الاستخبارات ووصولا إلى شبكات العملاء المحليين، وكل حلقة تعمل ضمن منظومة دقيقة تتطلب تنسيقا عاليا، حيث يمكن لأي خلل أن يؤثر في مسار العملية ونتائجها.

كما يتوقف عند التطور التكنولوجي الذي أعاد تشكيل هذا المجال، حيث أصبحت أدوات المراقبة والاختراق أكثر تقدما وامتدت العمليات إلى الفضاء الرقمي، وقد وسع هذا التحول نطاق التأثير وجعل المواجهة أكثر تعقيدا وأقل وضوحا للمتابعين.

في جانب آخر، يطرح الفيلم إشكاليات القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بتنفيذ عمليات داخل أراضي دول ذات سيادة، ويشير خبراء قانونيون إلى غياب إطار حاسم ينظم هذه الأنشطة، ما يترك مساحة واسعة للتأويل ويصعّب تحديد حدود المساءلة.

وتتباين آراء الضيوف حول جدوى هذه العمليات، إذ يرى بعضهم أنها أداة ضرورية في مواجهة تهديدات معاصرة، بينما يحذر آخرون من تداعياتها بعيدة المدى، ويعكس هذا التباين طبيعة النقاش المستمر حول العلاقة بين متطلبات الأمن وحدود العمل السري.

ومن خلال استعراض النماذج المختلفة، يتضح أن العمليات الخاصة أصبحت جزءا من أدوات إدارة الصراعات، حيث تُستخدم لتحقيق أهداف محددة دون الانخراط في مواجهات واسعة، ويمنح هذا الطابع مكانة خاصة في حسابات صناع القرار في البيئات المعقدة.

غير أن نتائج هذه العمليات قد تتجاوز التوقعات، إذ تقود بعض المسارات إلى تداعيات غير محسوبة سواء على المستوى السياسي أو الأمني، ويعيد ذلك طرح تساؤلات حول مدى القدرة على التحكم بمآلات هذه الأدوات بعد تنفيذها في سياقات متغيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...