رقية العلمي
كانت مدارس الرُهبان في بلاد الشام موضع اهتمام الأهل تدريس أبنائهم فيها بهدف تعلم اللغات الأجنبية واللغة الأم. أتناول هنا مكنونات الدير كوني نشأت وتعلمت في “دير راهبات ماريوسف” معلم من المعالم المعروفة في مدينة رام الله من أقدم المدارس في فلسطين تأسست عام 1873.
وحسب تجربتي الدخول إلى عالم الأديرة فيه غموض نتيجة السرية والخصوصية، حيث كان مبنى المدرسة متاخما لدير محصن بأسوار، مسموح للطلبة التجول في المرافق لنقطة معينة، بعدها يمنع الاقتراب من الدير، فكانت لواوينه سّر مستحيل على الأطفال تجاوزه.
لكشف المجهول تسللنا للمنطقة المحظورة، فم نجد إلا كنيسة ومخادع الراهبات، والمطعم وملحق للخدمات الإنسانية.
منهل ثقافي
تأثر الكثير من الكُتاب والمثقفين العرب بالأديرة حيث درسوا في مدارسها فظهر تأثير الدير جلياً في كتاباتهم، فمدارس الأديرة عرفتهم على ثقافات أجنبية من خلال تعددية اللغات.
أكثر من كاتب وكاتبة تتلمذوا في مدارس الأديرة منهم مي زيادة في الناصرة وسميرة عزام في غزة وتوفيق عواد في لبنان وسلمى الخضرا الجيوسي في المدرسة الألمانية الشميدت في القدس تأسست عام 1886 برعاية دير الأخوات الكاثوليك.
كما قدم جرجي زيدان في رواياته صوراً باهرة حول الأديرة، فجعلها ملجأ الضعفاء وملاذ التائهين والخائفين حيث الأمان والمياه المعمودية والزيوت المقدسة التي تمنح الشفاء ببركة الراهب.
سأل مرة نجيب محفوظ والدته عن سبب حبها لمسجد سيدنا الحسين ودير مار جرجس ذات آن فقالت:
“كلهم بركة!”
ميخائيل نعيمة
يستعرض د. ضياء نافع (بغداد 1941-) حامل شهادة الدكتوارة في الأدب الروسي، في صحيفة المدى العراقية (11 يونيو 2022):
“عاش نعيمة 99 عاماً إذ ولد في القرن التاسع عشر (1889) وتوفي في القرن العشرين (1988)، أصدر من الكتب الموضوعات المختلفة لأن ثقافته متنوعة وموسوعية؛ وطرح نافع سؤال:
هل تأثرت نتاجات نعيمة بالأدب والفكر الروسي حيث روسيا وأدبها هي الحب الأول بالنسبة له!؟”
ولعل نافع أعتبر الحب الأول لنعيمة كان في روسيا:
كان الفضل في تعليم نعيمة يعود للكنيسة الروسية لكن للأسف هذه الكنيسة التي منحته هذه النعمة هي ذاتها التي خيبت أمله؛ حيث أحب في روسيا فاريا المتزوجة، والتي حالت قوانين وتعاليم الكنيسة الأرثودكسية من طلاقها وبالتالي الزواج منه، بعدها غادر روسيا إلى لبنان.
عاش نعيمة على أمل عودتها التي لم تتحقق، وبعد 8 عقود كتب في وصيته:
“أتركوا باب الضريح مفتوحاً! لعلها تأتي.”
يتابع نافع:
“درس نعيمة في المدارس الروسية التي كانت منتشرة في فلسطين وسوريا ولبنان في القرنين التاسع عشر والعشرين، بإشراف الجمعية الأرثودكسية الفلسطينية ، مدارس دينية مجانية ضمن منهاجها تعلم الروسية، وعادة يرسلون الخريجين المتميزين فيها للدراسة في روسيا، وهذا ما حدث لنعيمة، حيث درس في المدرسة الدينية الأرثودكسية “السيمناريا الروحية.”
كما درس في دار المعلمين الروسية السينمار الروسي في الناصرة 1902 -1906 بتنسيب من مدير المدرسة خليل بيدس (الناصرة 1974–القدس 1949) وحسب النقاد كان لبيدس الفضل بالإتحاق نعيمة بالسينمار .

خليل بيدس أديب فلسطيني من رواد الترجمة من الروسية، ترجم أعمال تولستوي وبوشكين للعربية، وهو من خريج سيمنار الناصرة.
عن هذا سيكتب ميخائيل نعيمة في سيرته الذاتية “سبعون” حيث أعلن سائق العربة الوصول إلى دار المعلمين:
“المسكوبية ! الناصرة يا أفندي”.
تأسست سمينار دار المعلمين الروسية (المسكوبية) في الناصرة عام 1886، والمسكوبية حسب السكان في فلسطين هي كنيسة أرثودكسية ودير تابع للروس، والمسكوبي هو الروسي القادم للحج للديار المقدسة.
غير أعماله متنوعة اللغات صدر لميخائيل نعيمة باللغة الروسية قصيدة ” النهر المتجمد” 1910، ترجمها للعربية ونشرها في مجلة الفنون عام 1917. و ديوان “همس الجفون”. ومن كتبه التي ترجمت من العربية للروسية كتاب “مرداد ” وضعه أول مرة بالإنجليزية ثم ترجمه للعربية. مرداد تُرجم لأكثر من ثلاثين لغة.
في الأدب
تدور أحداث رواية “خالتي صفية والدير” للكاتب بهاء الطاهر في قرية على أطرافها دير يعتكف فيه رهبان. بعد خروجه من السجن بسبب مرضه، سيلجأ حربي للدير “واحة الأمن”. ويعيش بالقرب من خادم الدير المقدس بشاي ، الذي سيقوم على تطبيب حربي ويبكيه حين يفارق الحياة.
وفي هذا الإطار، لما أحتار إيليا أبو ماضي عن أسباب وجوده وسّر الكون، سيبحث عن الطلاسم عند نساك الدير:
قيلَ لي في الدَّيرِ قَوْمٌ أدْرَكوا سِرَّ الحَياة
قيلَ أدرى النَّاسِ بالأسرارِ سُكَّانُ الصَّوامِع
قَد دَخلتُ الدَّيرَ استَنطِقُ فيهِ الناسكينا
فإذا القومُ مِنَ الحيرَةِ مِثلي باهِتونا
غَلَبَ اليَأسُ عَلَيهِم، فهمُ مُستَسلِمُونا
وَإذا بالبابِ مَكتوبٌ عَليهِ…
لَستُ أدري!
سيرة الأديرة والرهبان
كان للرهبان في الأديرة الأثر الكبير في مساعدة العائلات الفقيرة وهذا ما يقدمه جبرا إبراهيم جبرا في سيرته الذاتية: “البئر الأولى” السيرة التي اعتبرتها جريدة القبس الثقافي 30 يونيو 2022 من بين أهم 9 كتب عربية نشرت آخر 100 عام في السيرة الذاتية:
يقول:
“في بيت لحم أديرة كثيرة، وهو أمر متوقع في مكان ولد فيه السيد المسيح. وزع علينا الراهب دوماجي الهدايا لمثابرتنا زيارة الدير والكنيسة، كانت هديتي زوجاً من الأحذية، عندما أردت لبس الحذاء قالت أمي: “دعنا نبيعه لنوفر نقود لشراء حاجات العيد” .
الحب المستحيل
تراجيديا ملحمة “راهبة في الصّحراء” للجزائري زايد بوفلجة 1909-1993، المستندة على قصة حقيقة بشهادة شهود من الجزائر وفرنسا.
في مدينة العين الصفراء الجزائرية 1949، سيتعرّف على الراهبة الممرضة كاترين، وتقع بينهما علاقة حبّ مستحيلة. في النهاية قررت الزواج منه: حسب شرطه أعتنقت الإسلام، أرسلت رسالة لأبويها تطلب موافقتهما على الزواج، ورسالة ثانية إلى المؤسسة المسيحية للأخوات البيض في الجزائر، تطلب فكّ ارتباطها الديني، باعتبارها مقبلة على الزواج الممنوع في عرف المؤسسة،
يرفض والدها وترفضها المؤسسة الدينية. بتنسيق بين السلطات الفرنسية والجزائرية، سيتم إلقاء القبض عليها. فالراهبة لم تكتف الزواج الممنوع لدى الراهبات، بل تزوّجت مسلماً. اختطفت الشرطة الفرنسية كاترين، وتمّ تحويلها كعقاب لها نحو إرسالية دينية مسيحية تقع في أدغال إفريقيا.
سينما ودراما
يعتبر فيلم الراهبة 1965، أول فيلم مصرى مؤلف محمد مصطفى سامي ؛ يجسد حياة الراهبات داخل الأديرة ، أشرف على تصوير المشاهد من داخل الأديرة والكنائس في لبنان عدد من رجال الدين المسيحي منهم الأب “مارون إلياس”.
وهناك مسلسلات عربية تدور أحداثها في الأديرة وتحاكي حيوات الرهبان:
السوري خريف العشاق لديانا جبور، شارع شيكاغو لمحمد عبد العزيز. ومن مصر الأخت تريزا لبلال أبو الفضل.
صورة غير مثالية
وإذا كانت مهام الرهبان الصلاة والعبادة ونشر الفضيلة والتعليم، مع ذلك، هناك آراء كُتبت من منظور مغاير لهذا الواقع:
في قصة “يوحنا المجنون” سيُعرّي جبران خليل جبران سلطوية رهبان الدير وطريقة تعاملهم مع الراعي يوحنا:
“هل يبيع الفقير حقله منبت خبزه ومورد حياته، ليُضيف ثمنه إلى خزائن الدير المفعمة بالفضة والذهب؟”
وفي كتابه “شعر الديارات في القرنين الثالث والرابع الهجريين في العراق والشام ومصر” ينقل صالح الشتيوي عن وجود أديرة كان يرتادها المجان للمتعة والعبث.





