حول مقال ” عن الأضحية والزكاة والجهاد المالي: غزة وفلسطين.. أول المستحقين” لصاحبه الدكتور أحمد الريسوني.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم: عبد الحق لمهى

 

 

كتب الدكتور أحمد الريسوني مقالا حول الاضحية والزكاة والجهاد المالي، محاولا توجيه ذلك كله وإعطاء الأولوية فيه لأهل غزة وفلسطين، كما أعتبرهم ـ كما يفهم من عنوان المقال ـ أول المستحقين.
تفاعلا مع المقال، أسوق جملة من الأفكار يمكن اعتبارها مناقشة وتحليل لما تقدم به مقال الدكتور أحمد الريسوني، ومن ذلك ما يلي:

ـ أولا: الاختصار والاعتصار لبعض أحكام أضحية عيد الأضحى، حيث أشار المقال إلى حكمها، ومن هم المقصدون بهذا الحكم، جاء في المقال: ” وضمن احتفالاته شعيرة ذبح الأضحية. وهي عند جمهور العلماء سنة، أو سنة مؤكدة، على الواجدين لها القادرين عليها، يضحون بها عن أنفسهم وأهليهم، فيأكلون منها ويتصدقون.
وقد اختلف الفقهاء في أيهما أفضل: إقامة شعيرة ذبح الأضحية، أو التصدق بثمنها على المحتاجين؟”
ثانيا: المقال أشبه بفتوى، ومعلوم أن المفتي ينطلق في فتواه من النص الشرعي فهما له واستنباطا منه، فيعتبر فقه النص أحد شروط الفتوى، وبالبظر إلى المقال فقد تضمن نصا شرعيا في باب الاضحية:” فذهب بعض العلماء، وخاصة من الصحابة والتابعين، إلى تفضيل بذل الصدقة على الأضحية. فعن بلال رضي الله عنه قال: (ما أبالي لو ضحيتُ بديك، ولَأَنْ أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبر أَحب إليَّ من أن أضحي بها). وقال الشعبي: (لأن أتصدق بثلاثة دراهم أحب إليَّ من أن أضحي).” ، وإن من الأقوى لو تم الاستدلال بالقرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الصحيحة، خاصة وأن الموضوع تناول مسألة غاية في الأهمية، تكون قوتها من قوة الدليل المعتمد للوصول إلى راي فيها.
ثالثا: اعتماد العلامة الريسوني على القول الراجح: يدل على ذلك ما ورد في المقال:” ولكن جمهور الفقهاء على القول بأفضلية الأضحية على مطلق التصدق بثمنها.. فالصدقة أبوابها مفتوحة على الدوام، أما الأضحية فهي شعيرة من شعائر الإسلام، وهي ستة مأمور بها أمرا خاصا، لمناسبة خاصة لا تكون إلا مرة في السنة. كما أنها هي نفسها متضمنة للصدقة وإكرام الفقراء. فهي صدقة وزيادة.
وهذا القول هو الراجح المعتمد، في الأحوال العادية وشبه العادية.”

رابعا: توظيف المقال لألفاظ تنتمي إلى حقل القواعد الفقهية، ومن ذلك: ” ولكنْ للضرورة أحكام.. والحالات الاستثنائية لا بد أن يُـقدر لها قدرُها، ويفتى فيها بخصوصها..
ومن ذلك حالة إخواننا في قطاع غزة، من أرض فلسطين، ويليهم أهل مدينة القدس، وأهلُ الضَّـفة بصفة عامة..

فهذه الحالة، التي نشاهدها ونعايشها، قد استجمعت كل معاني الضرورة، وكل أشكالها ودرجاتها. بل وقع فيها من الضرورات ما لم يكن يتصوره أحد.” بالتأمل في النص فهناك ألفاظ منها: “ولكنْ للضرورة أحكام..” ،” قد استجمعت كل معاني الضرورة” “من الضرورات”. إن المقال محاولة مهمة في نقل القواعد الفقهية من مجرد كونها قواعد مجردة إلى كونها آلية فقهية لتقديم الحلول لمشكلات الإنسان المسلم المعاصر. فكأن المقال يضفي طابع الحياة والحيوية على تلك القواعد فلا تبقى جامدة محصورة في الكتب مركونة في المكتبات.
خامسا: فقه الواقع: سبق الحديث عن إحدى شروط الفتوى وهو فقه النص، وفي المقال أيضا شرط آخر يفهم من سياق كلام صاحب المقال، فمن خلال قوله:” – والعدو الصهيوني – وشركاؤه من الأمريكيين والأوروبيين – يدمرون ويخربون ويحرقون ويُــتْـلفون ويعطِّلون كل أسباب الرزق والعيش ووسائل الكسب والتعلم والعلاج، التي كانت لإخواننا في غزة. وكثير من ذلك يقع أيضا لأهلنا في الضفة. – وهي حالةُ رباط وجهاد وذبٍّ عن حوزة الإسلام والمسلمين، وعن المسجد الأقصى المبارك.. فإخواننا في قطاع عزة يخوضون جهادا هو في الأصل – وبإجماع العلماء – فرض عين على كافة المسلمين، حتى تتحرر فلسطين والمسجدُ الأقصى.. ولكن أهل غزة يخوضون هذا الجهاد وحدهم، ويتحملون أعباءه وتداعياته وحدهم تقريبا..
ثم هذه الحالة ليست حدثا عابرا أو مؤقتا، بل هي حالة ممتدة في الماضي والمستقبل، إلى أجل غير مسمى. وهي – حتى الآن – لا تزداد إلا شدة وقساوة وبأسا..ِ {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52].”
وبناء عليه، فإن أهل فلسطين، وأبناءهم المجاهدين، يجب أن يحظَوا بالأولوية القصوى، في كل ما يمكن من أشكال الرعاية والدعم والنصرة..” هذا النص يمكن اعتباره دالا على استحضار وفقه المقال للواقع حيث رصد بعض معاناة المسلمين في الأرض المقدسة ورسم صورة عن واقعهم الذين يعيشون في ظل الظروف الحالية.
سادسا: فقه الأولويات من العلم الذي كتبت فيه كتابات تناولته بالتأصيل والتحليل والبيان، وفي المقال توظيف واضح جلي لهذا النوع من الفقه، وفي قوله:” أولويتهم في أموال الزكاة.. فجميع مصارف الزكاة موجودة في فلسطين وفي أهل فلسطين. وبعض مصارف الزكاة لا توجد الآن إلا في أهل فلسطين. فمن خص المجاهدين وأهل فلسطين بزكاته، أو بشطر زكاته، أو بأي جزء منها، فهو على هدى من ربه، وعلى بينة من دينه (ومن يُـردِ الله به خيرا يفقهه في الدين).” إشارة جلية لفقه الأولويات واستثمارها في التوصل إلى رأي في المسالة المطروحة في المقال.
سابعا: إبداء الرأي بوضوح في قضية أضحية العيد وصرف ثمنها لأهل فلسطين، وقد عبر عن ذلك بقوله:” يجوز بذل ثمن الأضحية لأهل فلسطين. فذلك مبرئ ومجزئ، وزيادة. وفيه أضحية وتضحية، ونسك وجهاد..
ومن كان ميسورا واستطاع أن يضحي في أهله وبلده، وأن يرسل مثل ثمن أضحية إلى أهله في فلسطين، فذلك أتم وأفضل.
وهذا لن يؤثر في شيء على شعيرة الأضحية ودوامها.. بل سيجعلها أكثر توازنا واعتدالا..”

عن الأضحية والزكاة والجهاد المالي: غزة وفلسطين.. أول المستحقين

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...