سوريون في بحر حسن نصر الله

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.أرنست خوري

 

 

لا يبالغ معارضو حزب الله حين يصفون أمينه العام حسن نصر الله بأنه المرشد الأعلى للجمهورية اللبنانية، لا بل يسرّ الوصف المذكور مشايعيه، ويرسم ابتسامة اعتزاز على ثغورهم ويجعلهم يفركون أيديهم في انتظار تحوّل المنصب المجازي ذاك إلى موقع رسمي ينص عليه الدستور يوماً طال انتظاره. وإن كان “المرشد الأعلى” الأصلي يمارس صلاحياته المطلقة في إيران منذ 46 عاماً، فإنه في لبنان يشق طريقه ببطء المتأني منذ عقدين ونيّف، لكي يصل إلى هدف إقامة دولة إسلامية في هذا البلد، جاهر نصر الله نفسه برغبته في إنشائها، وذلك في مقابلة شهيرة أجراها معه السياسي والصحافي المغتال جبران تويني من ضمن برنامج “رئاسيات” على شاشة تلفزيون “أل بي سي” المحلي في سبتمبر/ أيلول 1995. لكن بما أن إقامة دولة إسلامية في لبنان قصة شديدة التعقيد ونجاحها غير مضمون، يصبح إحكام القبضة على كل مفاصل البلد مهمة لا تقل أهمية عن تلك الرغبة السامية. والسيطرة على كل شيء تقريباً، بالسلاح والترهيب والتهديد والغلبة والحروب وغسل الأدمغة، تحقق نجاحات بالمفرّق للحزب ولمشروعه ولرعاته، وإخفاقات بالجملة للبلد ولرفاهيته ولاستقراره ولاقتصاده ولتنوّعه ولنموذج ثقافي منفتح على العالم لطالما انتمى إليه، ولحرياته ولانتظام علاقات جماعاته الأهلية. والحال أن منع أغاني فيروز في كليات الجامعة اللبنانية (الحكومية الوحيدة) التي يسيطر عليها حزب الله وحظر تدريس أصناف من الفن التشكيلي في كليات الفنون الجميلة، لا يقل خطورة عن باقي أشكال فرض الحزب غلبته، توريطاً للبلد في حروب مع إسرائيل، ومشاركة في قتل السوريين إلى جانب نظام الأسد وحكّام طهران، وجعل لبنان في موقع المعزول إقليمياً ودولياً. بلدٌ علاقات جماعاته وطوائفه في اشتباك دائم، لا بسبب سلاح حزب الله فحسب، لكن لذلك السبب في الدرجة الأولى وقبل أي سببٍ آخر.

منذ سبعة أشهر أعفانا حسن نصر الله ومساعدوه من الخطابات الخارجة عن سياق الحرب التي فتحها الحزب مع إسرائيل في الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، “إسناداً لغزّة” كما يقولون ويريدوننا أن نردد معهم بببغائية لتبرير توريط البلد في حرب مدمرة لن تخفف الأذى عن الفلسطينيين، ولن تحقق إلا سرقة الاهتمام العالمي من الإبادة الحاصلة هناك. لكن فترة السماح انتهت، فاستعاد نصر الله، في خطابه أول من أمس الاثنين (13 مايو/ أيار)، موهبة إصدار “أمر اليوم”. والأمر هذه المرّة يتعلق بإنجاز مهمة بدأت قبل 12 عاماً، في سورية، حيث شارك الحزب بفعالية في قتل المنتفضين ضد نظامهم الدموي. وصل إلى لبنان مئات آلاف الهاربين من الجحيم الأسدي، يتسابق لبنانيون من جميع الطوائف والمناطق من دون استثناء على مطاردتهم واحتقارهم واستعراض عنصريّتهم المقرفة (ككل العنصريات) ضدهم وقد أصبحوا الفئة الأضعف من المقيمين في هذا البلد، حتى أضحوا يتمنون لو كانوا لاجئين فلسطينيين هناك. ومن انتظر كلاماً من نصر الله يوظّف فيه نفوذه وسطوته لوقف مسلسل اضطهاد السوريين في لبنان، لم يسمع منه إلا دعوة لفتح البحر وأعماقه لهم، لكن “بإرادتهم وبغطاء وطني”. ومع أن قراءة نص الخطاب لا تعبّر عن فداحة مضمونه، إلا أنه وجب اقتباس بعضٍ من حرفيته: “الجمعيات المموّلة من الأوروبيين والأميركيين تمنع النازحين السوريين من العودة إلى بلدهم (…). يجب أن نحصل على إجماع لبناني لفتح البحر أمام النازحين السوريين بإرادتهم بدلاً من تعريضهم للخطر عبر الرحيل عبر طرق غير شرعية وهذا يحتاج لغطاء وطني (…). عندما يُتّخذ قرار كهذا، كل الغرب والأوروبيون سيأتون إلى لبنان ويدفعون بدل المليار 20 ملياراً”.

حكمة المرشد الأعلى إنسانية للغاية: نحتل سورية وندمّرها. نصوّر ناسها الراغبين بالعيش أحراراً دواعشَ لا يليق بهم إلا القتل. يعلق بعض الناجين منهم في لبنان. نيأس من حثهم على فضيلة الانتحار من خلال العودة إلى سورية. نفتح لهم أبواب البحر، يغرقون في أعماقه لكن “بغطاء وطني”، ثم نقول للعالم: هذا ما جنته أوروبا وأميركا علينا.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...