مزالق التكفير وفلسفة الحماية العقائدية: نحو قراءة مقاصدية معاصرة في فقه الانتماء وأزمة التكفير في المجال الإسلامي المعاصر
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
تتجاوز أزمة التكفير في المجال الإسلامي المعاصر حدود الخلافات العقدية والفقهية الجزئية لتغدو إحدى أكثر الإشكالات المعرفية والحضارية تعقيدًا وإثارةً للأسئلة. فالمسألة لا تتعلق فحسب بمن يملك سلطة الحكم على عقائد الناس، بل تمتد إلى مساءلة طبيعة الانتماء ذاته:
ما الذي يجعل الإنسان داخل الجماعة المؤمنة أو خارجها؟ وهل تُبنى الهويات الدينية على منطق الاحتواء أم على منطق الإقصاء؟ ثم كيف يمكن لأمةٍ تجعل الرحمة مقصدًا أعلى أن تتحول بعض تياراتها إلى مؤسسات رمزية لإنتاج النفي والاستبعاد؟
لقد أفضت التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة إلى بروز نزعات متشددة أعادت إنتاج مفهوم الانتماء الديني بمنطق ثنائي حاد يقوم على أساس الفصل الصارم بين “نحن” و”هم”، وبين “المؤمن الحق” و”المنحرف” أو “المارق”.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يكمن الخطر الحقيقي في وجود الاختلاف، أم في الكيفية التي يُدار بها هذا الاختلاف؟ وهل كانت أزمات الأمة التاريخية ناتجة عن تعدد التأويلات أم عن تحويل التأويل الواحد إلى سلطة احتكارية تنفي ما سواها؟
وإنني إذ أختار التطرق إلى هذا الموضوع الساخن، فإن هذا الاختيار لم ينبع من ترف فكري أو رغبة في الخوض في سجالات نظرية مجردة، بل جاء مدفوعاً بضرورة واقعية عشت تفاصيلها وعاينت آثارها بحكم إقامتي وعملي كصحفي في الغرب، وتحديداً في إيطاليا. فمن قلب هذا الفضاء الأوروبي، حيث ترصد عين الصحافة يومياً مخاضات الهوية وصراعات الاندماج التي تعيشها الأقليات المسلمة، يتضح لنا كيف تتحول شظايا فكر التكفير والإقصاء القادمة من المشرق إلى معاول هدم تعوق استقرار الجاليات وتشوّه صورتها أمام المجتمعات المضيفة. إن معايشة هذا الواقع عن قرب، ومراقبة التحديات المركبة التي تواجه المسلمين في المغترب، جعلتني أدرك خطورة نقل معارك ‘التصنيف الديني’ إلى بيئات هي أحوج ما تكون إلى رص الصفوف وتمثيل قيم الرحمة والوسطية.
في هذا السياق تبرز أهمية الأطروحات التجديدية التي سعت إلى إعادة بناء فقه الانتماء على أسس مقاصدية أكثر اتساعًا وقدرة على استيعاب التنوع داخل المجال الإسلامي، ومن أبرزها الأطروحات التي جعلت من وحدة الأمة مقصدًا شرعيًا حاكمًا لا يجوز التفريط فيه تحت تأثير الخصومات الفكرية أو المذهبية. فقبل أن يكون المسلم موضوعًا للأحكام العقدية، هو عضو في جماعة إيمانية تأسست على رابطة الشهادة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذه الرابطة أصلًا ينبغي صيانته لا التفنن في تقويضه.
ومن هنا تكتسب القاعدة الأصولية القائلة بأن “اليقين لا يزول بالشك” أبعادًا تتجاوز المجال الفقهي التقليدي لتتحول إلى مبدأ معرفي وأخلاقي ينظم العلاقة بين المسلمين.
فإذا كان الدخول إلى الإسلام يتم بيقين ظاهر ومعلن، فبأي منطق معرفي يمكن أن يُنقض ذلك اليقين بمجرد الظنون أو القراءات الانتقائية أو سوء الفهم؟ بل هل يمكن لمجتمع أن يحافظ على تماسكه إذا أصبح الشك معيارًا للحكم على الانتماء بدل أن يكون اليقين هو الأصل الحاكم؟
إن خطورة التكفير لا تكمن فقط في نتائجه القانونية أو العقدية، بل في كونه يعكس تحوّلًا عميقًا في بنية الوعي؛ إذ ينتقل الإنسان من موقع البحث عن الأعذار للمخالف إلى موقع البحث عن المبررات لإقصائه.
وهنا يبرز سؤال أكثر جوهرية: هل وظيفة الفكر الديني هي توسيع دائرة النجاة أم توسيع دائرة الإدانة؟ وهل يتحقق مقصود الشريعة عبر استنقاذ الإنسان أم عبر التسابق إلى إخراجه من الجماعة؟
إن التراث الفقهي الإسلامي، في أكثر لحظاته نضجًا، كان واعيًا بهذه المعضلة؛ لذلك شدد على التفريق بين الخطأ والعدوان، وبين التأويل والجحود، وبين الزلل الفكري والتمرد العقدي المقصود.
ولم يكن هذا التمييز مجرد احتياط فقهي، بل كان تعبيرًا عن فلسفة عميقة في إدارة الاختلاف. فالتأويل، حتى حين يكون خاطئًا، يظل فعلًا معرفيًا يحتمل الصواب والخطأ، بينما الجحود يمثل موقفًا مغايرًا في طبيعته وبنيته ومقاصده.
غير أن الإشكال الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر يتمثل في تآكل هذه الحدود الدقيقة بين المفاهيم؛ إذ كثيرًا ما يُختزل المخالف في صورة العدو، ويُختزل الخطأ في صورة الخيانة، ويُختزل الاجتهاد المختلف في صورة الردة الرمزية.
وهنا يبرز تساؤل لا يقل أهمية: متى يتحول الدفاع عن العقيدة إلى تهديد للعقيدة ذاتها؟ ومتى تصبح الحماية المفرطة للهوية سببًا في تفكيك الجماعة التي يُراد حمايتها؟
إن المفارقة اللافتة أن الجماعات الأكثر انشغالًا بحراسة الحدود العقدية قد تنتهي أحيانًا إلى إنتاج أكبر درجات التصدع الداخلي؛ ذلك أن المجتمع الذي يعيش تحت هاجس الاتهام الدائم يفقد تدريجيًا الثقة المتبادلة التي تشكل أساس أي كيان جماعي. وحين يصبح كل فرد مشروع متهم محتمل، تنتقل الأمة من منطق الأخوة إلى منطق الارتياب، ومن منطق التعاون إلى منطق المراقبة المتبادلة.
وتتجلى خطورة هذه الظاهرة بصورة أوضح داخل المجتمعات المسلمة في الغرب، حيث تواجه الأقليات الإسلامية تحديات مركبة تتعلق بالهوية والاندماج والتمثيل الثقافي. ففي مثل هذه البيئات يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لجالية تبحث عن الاعتراف الخارجي أن تستهلك طاقتها في صراعات داخلية حول شرعية أعضائها؟ وكيف يمكن لأقلية تواجه ضغوطًا بنيوية أن تتحمل كلفة الانقسامات التي تنتجها ثقافة التكفير والتبديع؟
ومع ذلك، فإن رفض التكفير لا يعني تبني سيولة عقدية تلغي الفوارق أو تنفي الخصوصية الدينية. فالمجتمعات لا تستمر بلا حدود مرجعية، كما أن الهويات لا تحيا بلا معايير مؤسسة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الحدود، بل في طبيعة الآليات التي تُحدد بها تلك الحدود. فهل تُبنى على العلم أم على الانفعال؟ على البرهان أم على الشبهة؟ على المقاصد الكلية أم على ردود الأفعال الظرفية؟
إن الحاجة اليوم ليست إلى توسيع سلطة الإخراج من الجماعة، بل إلى تعميق فقه البقاء داخلها؛ وليس إلى إنتاج مزيد من أدوات التصنيف، بل إلى تطوير أدوات الفهم والتأويل والحوار. ذلك أن الأمم لا تنهض بقوة ما تستبعده من أبنائها، وإنما بقوة ما تستطيع استيعابه من تنوعاتهم واختلافاتهم.
وعليه، فإن فقه الوسطية في السياق المعاصر لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد موقف توفيقي بين التشدد والتساهل، بل باعتباره نظرية متكاملة في إدارة الاختلاف وحماية المجال الإسلامي من التفكك الذاتي. إنه مشروع لإعادة بناء الثقة داخل الجماعة المؤمنة، وإعادة الاعتبار لمقاصد الرحمة والوحدة والعمران، وتحصين المجال الإسلامي من التحول إلى فضاء تتنازع فيه هويات متصارعة أكثر مما تتعاون فيه إرادات مشتركة.
وهنا يظل السؤال المفتوح الذي ينبغي أن يؤرق الفكر الإسلامي المعاصر: هل يكمن مستقبل الأمة في قدرتها على اكتشاف أعدائها، أم في قدرتها على إعادة اكتشاف بعضها بعضًا؟





