ذ.أحمد عويدات
كاتب فلسطيني
تتوالى الصفعات واحدة تلو الأخرى لتضرب بقوة دولة الكيان وقادته. بعد سلسلة العمليات النوعية للمقاومة، التي أربكت قوات الاحتلال، وأوقعتهم في مصيدة الهزيمة، وأنزلت بهم أفدح الخسائر عتاداً وأفراداً؛ جاءت الصفعة الثانية من مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية، بإصداره مذكرة اتهام لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير دفاعه غالانت، بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين في قطاع غزة. والصفعة الثالثة كانت حصول فلسطين في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على 143 صوتاً مؤيداً لإعطائها صفة العضوية الكاملة في المنظمة الأممية. أما الصفعة الأخرى وليست الأخيرة فتمثلت باعتراف ثلاث دول أوروبية هي النرويج وإسبانيا وإيرلندا بالدولة الفلسطينية، ليشكل هذا الاعتراف انعطافاً مهماً في مسار القضية الفلسطينية، وتأثيراً مباشراً على مواقف وسياسات الاتحاد الأوروبي. ويبقى السؤال ما أسباب ودوافع هذه الخطوة؟ وما هي مآلات هذا الاعتراف؟ وهل سيشكل هذا عامل ضغط لوقف الحرب أم لتسعيرها؟
دوافع الاعتراف
بدايةً، لا بد من أن هناك عوامل وأسبابا دفعت هذه الدول إلى اتخاذ هذه الخطوة الجريئة، متجاوزين كل الخطوط الحمر، والضغوط التي ستمارس عليهم، وربما العقوبات التي لوح بها القادة الإسرائيليون المأزومون؛ كما بدا لاحقاً من ردود أفعالهم. يأتي في مقدمة هذه العوامل الصمود الأسطوري لشعبنا ومقاومته الباسلة في الميدان، والتضحيات الجسام التي هزت وجدان وضمائر العالم وأظهرت حقيقة الإجرام الصهيوني، وعرّت وفضحت الكذب والخداع الذي مارسته قوات الاحتلال وقادته. وثاني هذه العوامل هو نجاح القوى والجماهير والشخصيات الوطنية الفلسطينية، باستقطاب واسع لقوى وأحزاب وحركات ونقابات وجماهير العالم، من خلال خطاب متوازن يشرح مشروعية حقوقنا، والمظلومية التي لحقت بشعبنا جراء هذا الاحتلال، والعدوان البربري الفاشي المتواصل بكل أشكال الإبادة؛ وتحديدا استهداف الأطفال والنساء، والقضاء على كل جوانب الحياة، ما شكل عامل ضغط من الشعوب على الحكومات. وفي هذا السياق، تأتي مظاهرات واعتصامات النخب من طلبة الجامعات، لترفد حركة الجماهير بزخمٍ أقلق الإدارات الحاكمة خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. أما ثالث هذه العوامل، فيتعلق بالسلوك غير البشري الذي يمارسه قادة الكيان؛ برفضهم المستمر لقرارات الشرعية الدولية، والامتثال لعملية السلام، والالتزام بالاتفاقات الموقعة، إضافة إلى الانتهاكات المستمرة في الأراضي المحتلة وتوسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي ونسف البيوت، وممارسة القمع والاعتقالات التعسفية، وانتهاك حقوق الإنسان. كل ذلك سيزيد من عزلة «إسرائيل» ويدفع إلى مزيد من الاعترافات الدولية. ورابع هذه الأسباب، هو تأثير سياسة المقاطعة للمنتجات والبضائع الإسرائيلية، وسياسة العقوبات للجامعات والشركات والشخصيات الإسرائيلية، وكذلك ما جاء من قرارات صدرت عن محكمة العدل الدولية؛ بتحميل دولة الكيان مسؤولية الإبادة الجماعية في غزة. وترافق ذلك أيضا مع قطع بعض الدول العلاقات مع «إسرائيل»؛ على خلفية ارتكابها مجازر الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتهجير القسري.
كل العوامل الآنفة الذكر، ستشكل مع هذا الاعتراف عامل ضغطٍ وحافزا قوياً لباقي الدول، خاصة الأوروبية منها للحاق بهذا الركب. ومن ناحية أخرى، أعطى هذا الاعتراف دلالة على أن المظاهرات والأنشطة والفعاليات الجماهيرية، بدأت تؤتي ثمارها؛ فقد أنتجت تحولاً استراتيجياً في وعي الشعوب وقدراتها على التأثير في قرارات حكوماتها. كذلك سيكون لهذا الاعتراف إسهام جوهري في السعي الدولي لإيجاد حلٍ للقضية الفلسطينية، كما أشار إلى ذلك وزير خارجية النرويج بقوله: «الاعتراف ليس حلاً، لكنه إسهامٌ من أجل الحل».
أهمية الاعتراف
يكتسب الاعتراف أهمية جيوسياسية؛ لأنه يأتي من دول مهمة في أوروبا، كانت حليفة للكيان، وواقعة تحت الضغط الأمريكي والدول الحليفة الأكثر قوة ونفوذاً في أوروبا. وأكد هذا الاعتراف عدم شرعية الاحتلال أمام كل دول العالم، وبالتالي بطلان وإلغاء الإجراءات كافة التي اتخذها ويتخذها الاحتلال من استيطان ومصادرة وضم أراضٍ إلى ما يزعمه «دولة إسرائيل». من جانب آخر، شكل هذا الاعتراف دفعاً معنوياً لنضالات الشعب الفلسطيني، وتعزيزاً لصموده ومقاومته للحصول على حقه بالعودة وتقرير المصير. وهذا ما عبرت عنه وزيرة العمل الإسبانية: «لا يمكننا التوقف عند هذا الحد، فلسطين ستكون حرةً من النهر إلى البحر». كما أعطى دافعاً وحافزاً لدول أوروبا، والدول التي لا تزال مترددة للاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة. ومن جهة أخرى، يعزز فشل السردية الإسرائيلية؛ القائمة على التزييف والخداع والكذب، وبالمقابل انتصار الرواية الفلسطينية بالحق التاريخي بفلسطين. وعلى الصعيد العالمي، شكل هذا الاعتراف انتصاراً ليس للمقاومة الفلسطينية فحسب، بل لكل أحرار العالم ولكل الشعوب التي تناضل ضد الهيمنة الاستعمارية والغطرسة، والتبشير بظهور حركة جديدة ضد كل أشكال الفصل العنصري والاحتلال. وأكد اعتراف الدول الثلاث، فشل السياسة الإسرائيلية القائمة على المراوغة والخداع، وعدم الجدية في التعاطي مع الشأن الفلسطيني، وقضية السلام. لا شك في أن هذا الاعتراف المهم انعكس سلبا على دولة الكيان وداعميها:
أولاً، وأد إلى غير رجعة اتفاقات أوسلو التي رعتها النرويج، والتي هي أحد أطراف الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ثانياً، زاد من عزلة «إسرائيل»، وزيادة المقاطعة وفرض العقوبات على دولة الاحتلال.
ثالثاً، سيزيد من الضغط الشعبي لوقف إطلاق النار سواءً العالمي أو الداخل الإسرائيلي.
رابعاً، أظهر الولايات المتحدة بموقفها الرافض لهذا الاعتراف بأنها شريك كامل في السياسة العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني، وليست جادة في رعاية عملية السلام وسراب حل الدولتين.
خامساً، سقوط مكانة وصورة «إسرائيل» في العالم، وفشل استراتيجيتها القائمة على التوسع والعدوان والاستيطان.
إن ردود الفعل التي صدرت عن قادة الاحتلال، تعبر عن حجم الصفعة التي تلقّوها. وتعبر عن مزيد من التخبط والارتباك، والتطرف العنصري؛ باتخاذهم سلسلة من الإجراءات التصعيدية العدوانية. فبدلاً من الاستجابة إلى هذه الضغوط الدولية، ومن الإجراءات العقابية التي تنتظرهم؛ أمعنوا بتسعير حربهم الفاشية على شعبنا في غزة والضفة، وتحديدا في جنين وطولكرم. وقيام وزير الدفاع الإسرائيلي بإلغاء قانون فك الارتباط مع شمال الضفة الغربية. وهذا بن غفير اليميني المتطرف، يؤكد انتهاكه للقانون الدولي، ويتحدى العالم باقتحامه المسجد الأقصى. أما المتطرف الآخر سموتريتش فأعلن عن إيقاف مخصصات السلطة المالية، وإلغاء التصاريح، وفرض عقوبات على بعض الشخصيات. على أي حال، مهما تكن ردود أفعال قادة الاحتلال، وداعميهم في واشنطن وبريطانيا، وآخرين صامتين؛ فإن الاعتراف الأوروبي الأخير يبقى خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح نحو إيقاف الحرب الإجرامية، والاقتراب أكثر من نيل الحرية، وتقرير المصير للشعب الفلسطيني.





