أطلال بلاد الشام

 

 

 

 


كاتبة سورية.

 

 

في روايته الشهيرة “مدن غير مرئية”، يكتب إيتالو كالفينو أنّ المدن لا تُفصح عن ماضيها، لكنّها تحتويه مثل خطوط اليد. في حالتنا الشامية، لا تظهر هذه الآثار في حجارة المدن وحدها، وإنّما أيضاً في مجاري الأنهار والأودية التي رسمت تاريخ الاستقرار البشري منذ آلاف السنين. في الأصل، قامت دول بلاد الشام القديمة وما حولها تاريخيّاً على فكرة إدارة مجاري الأنهار لمقاومة شبح الفيضانات وما تلا ذلك من تدبير للزراعة بعد السيطرة على هذه الأنهار، ومن هنا نشأت التجارة وخطوط القوافل، وأعادت تشكيل اللغات واللهجات والانتماءات. لهذا تبدو الخرائط السياسية اليوم تفصيلاً عابراً فوق طبقة أعمق بكثير. طبقة تشبه الجهاز العصبي أكثر ممّا تشبه الجغرافيا.
ارتفع منسوب الفرات هذا الأسبوع في الرقّة ودير الزور إلى مستويات وصفت بأنّها استثنائية وغير مسبوقة منذ عقود، ولقي أطفال حتفهم غرقاً في مياهه المرتفعة، ودخلت قرى كاملة في حالة استنفار على امتداد ضفاف النهر. غير أنّ الفرات يحمل في ذاكرته شيئاً يشبه تاريخ المنطقة كلّها. النهر الذي كان يوماً شرياناً للزراعة والعيش المشترك أصبح يشبه سيرة بلاد الشام الحديثة: مجرى واحد قطعته السلطات والحروب والسدود والجيوش.
في الجنوب اللبناني، يبدو الليطاني اليوم كأنّه يمرّ بالتجربة ذاتها التي يمرّ بها الفرات، ولكن بصيغة أخرى. فهذا النهر الذي ارتبط طويلاً بصورة الجنوب الزراعية، بأشجار الزيتون والتبغ والحمضيات، عاد ليظهر في الأخبار بوصفه خطّاً عسكرياً لا بوصفه مورداً للحياة، فخلال الأسابيع الماضية تحوّلت القرى الواقعة جنوبه إلى فضاء معلّق بين أوامر الإخلاء الإسرائيلية والغارات والاغتيالات. لكنّ الأنهار تحتفظ بذاكرة أطول من ذاكرة الجيوش. فهي تعرف أنّ القرى في ضفّتيها لم تُبنَ يوماً على أساس خطوط النار، وإنّما على أساس المواسم والأسواق والزواج والهجرة والعمل المشترك.
في الوقت نفسه تقريباً، كانت غزّة تعيش شكلاً آخر من الفيضان. ليس فيضان الماء بعد أن جفّ وادي غزّة منذ زمن، وإنّما فيضان الركام. هناك تتراكم طبقات جديدة من الموت فوق موت سابق لم يُدفن بعد. البيوت المهدّمة لا تختفي من المشهد كي تفسح المجال لكارثة جديدة، بل تبقى حاضرةً، ثمّ تأتي الكارثة التالية لتستقرّ فوقها. كأنّ الجغرافيا نفسها فقدت قدرتها على ترميم ذاكرتها، وأصبحت الأرض تحفظ آثار الضربة السابقة فيما تستقبل الضربة اللاحقة. وفي مفارقة لافتة، يشبه الركام في غزّة وظيفة الأنهار القديمة في بلاد الشام. فالأنهار كانت تحمل الرواسب من مكان إلى آخر، وتراكمها طبقة فوق طبقة حتى تصنع السهول والحقول والخصوبة. أمّا هنا، فإنّ ما يتراكم هو الخراب. طبقات من الإسمنت المحطّم والمعادن الملتوية والذكريات المقطوعة. وكأنّ التاريخ نفسه انقلب على صورته؛ فبدل أن تترك الحياة رواسبها فوق الأرض، أصبحت الحرب هي التي تترك رواسبها.
المياه التي ترتفع في الفرات، والطائرات التي تحلّق فوق الليطاني، والركام المتراكم في غزّة، ليست وقائع منفصلة كما توحي الخرائط. إنّها إشارات مختلفة تصدر عن جسد واحد، يتلقّى الألم في أطرافه المتباعدة، لكنّه يشعر به في الوقت نفسه. وهذا ما يجعل أخبار بلاد الشام تبدو أحياناً كأنّها تتكرّر بأسماء مختلفة، فيما يبقى الإحساس الجماعي بالهشاشة هو الخبر الحقيقي الذي ينتقل من مدينة إلى أخرى، غير أنّ النظر إلى المسألة من زاوية اجتماعية يقود إلى نتيجة أخرى، فالكوارث تنتقل في منطقتنا عبر المخيّلة الجماعية أكثر ممّا تنتقل عبر الحدود. فالطفل الذي يشاهد صور الغرق في الرقّة وهو يعيش في بيروت، أو يشاهد من حلب صور المجاعة في غزّة، لا يشاهد خبراً خارجياً بقدر ما يتلقّى رسالةً عن مصير يمكن أن يصيبه. لهذا تبدو استعارة “أثر الفراشة” عندنا أقلّ شعرية ممّا نعتقد. حادثة غرق في الرقّة قد لا تصنع إعصاراً في صور، لكنّها تصنع بالتأكيد شعوراً عامّاً بالهشاشة. والشعور بالهشاشة ينتقل أسرع من الجيوش والأنهار.
وربّما لهذا تبدو بلاد الشام أقلَّ شبهاً بالدول وأكثر شبهاً بالأطلال. ليس بمعنى الخراب تحديداً، وإنّما بمعنى أنّ كلّ طبقة فيها تكشف طبقةً أقدم تحتها. تحت الحرب الحالية حربٌ أقدم، وتحت النزوح الحالي نزوح آخر، وتحت الحدود الراهنة تمتدّ طرق قوافل وممرّات رعاة وأنهار قديمة. لهذا يشعر المرء أحياناً أنّ الماضي هنا لا يمضي فعلاً، إنّه يغيّر ثيابه فقط، ثمّ يعود إلى المشهد من باب آخر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة ايطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...