الآثاري العراقي حكمت الأسود: البحث عن فلسفة الخلود في موروث بلاد الرافدين

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مروان ياسين الدليمي
كاتب عراقي

 

 

في هذه الحياة كُلٌّ يقضي دوره ثم يغادرها لا محالة، فالموت هو نهاية البداية مهما طال عمر الإنسان، وهذا ما حصل لأنكيدو الإنسان في ملحمة كلكامش، وهو المصير ذاته، الذي ينتظر الناس جميعا على اختلاف أعمارهم، وسبق للأديب الرافديني، أن عالج فكرة الموت في عدد من النصوص الأدبية، من هنا تطرق الآثاري حكمت بشير الأسود في مقدمة كتابه الموسوم «فلسفة الخلود ومفهوم الجنة/الفردوس في الموروث الثقافي لحضارة بلاد الرافدين» إلى أن الإنسان منذ أن وجد على وجه الأرض كان يحلم بالجنة التي ستضمه في يوم ما، كنوع من الخلود الذي تصبو إليه نفسه.
ويشتمل الأدب الرافديني، كما يشير المؤلف إلى ذلك، على تنوع كبير، فهو يضم نصوصا دينية مقدسة وأخرى تاريخية وقانونية، بالإضافة إلى النصوص الحماسية والغنائية والأخلاقية، ولا شك في أن الأدب يحمل بين سطوره ما يشير إلى التنظيم الاجتماعي السائد، ونحن نأخذ كلمة الأدب بأوسع معانيها، إذ نجدها في كل الوثائق المكتوبة مهما كان نوعها، بما في ذلك الأساطير، فهي ترتبط بالحياة التشريعية ـ الدينية، وميدان الأساطير عميق في رموزه ودلالاته. هذا الكتاب توزع على سبعة مباحث، وكان قد صدر مطلع عام 2024 عن مؤسسة أنباء الموصل للصحافة والطباعة والنشر.

نظرة مشوبة بالخوف

توقف المبحث الأول عند النظرة إلى الموت في الفكر الرافديني، حيث شغلت قصة الموت والخلود سكان بلاد الرافدين قديما، وما زالت تشغل العالم في وقتنا الحاضر، ومبعث ذلك هو عدم ضمان حياة أفضل بعد الموت، أو على الأقل مشابهة للحياة الدنيوية، وهذا ما دفع العراقيين القدماء للنظر إلى الموت نظرة مشوبة بالكره والخوف، إضافة إلى وثوقهم من استحالة الخروج من عالم الأموات. كما يستعرض المبحث الثاني فلسفة الخلود في حضارة بلاد الرافدين، والإشارة إلى انشغال الجنس البشري منذ أقدم العصور بالاهتمام بمسألة الحياة والموت والخلود، خاصة عندما عرف الإنسان أن الموت هو مصيره المحتوم، فانتابته المخاوف والشكوك حول هذا المصير، فأخذ يعيش في قلق وخوف دائمين، إلاَّ أنه لم يستسلم لذلك القدر، فأعلن الاحتجاج أمام سر الحياة رغبة منه في الخلود، وأعلن العصيان والتمرد رافضا الموت الذي هو مصيره.

ملحمة كلكامش والخلود الضائع

توقف المبحث الثالث عند فكرة الخلود الضائع في ملحمة كلكامش، وتعد هذه الملحمة أقدم مأثرة أدبية منظومة شعرا وصلت إلينا حتى الآن من العالم القديم، حيث عالجت مسألة الحياة والموت، وما بعد الموت، واللغز المحيط بهما، ورغبة العراقي القديم في التغلب على الموت وقهره، لتقدم لنا أسئلة عن معنى الحياة وغموض الموت، وعن الحب وسرعة زوال الرغبة. أما المبحث الرابع فقد تناول شخصية آدابا باعتباره حكيما من بلاد سومر، والأحداث المتعلقة بهذه الشخصية تدور في مدينة أريدو، التي تعتبر أقدم مدينة في بلاد الرافدين، وقصة آدابا على قدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى آراء وأفكار سكان بلاد الرافدين القدماء وحكمائهم في مسألة الخلود وعلاقة الإنسان بالآلهة، وتساهم مع ملحمة كلكامش في عرض عقدة الإنسان بإضاعة الفرصة لبلوغ الخلود.

أسطورة إيتانا

وفي إطار تناوله للأساطير الرافدينية، فقد تناول أسطورة إيتانا، وهي أسطورة بابلية تعرض لنا أقدم حلم حول الطيران عند البشر قام به الملك إيتانا الأسطوري، الذي خطفه نسر ورفعه إلى السماء ليبحث عن شجرة الإخصاب لكي تتمكن امرأته من أن تنجب له ولدا، ومن دلالات هذه الأسطورة، ضرورة أن يتعلم الإنسان الصبر في الشدائد، لكن أنى لهذا الإنسان القلِق أن يحقق أمنيته، لأن ذلك كان مرهونا بالحصول على نبات النسل الذي كان عند الآلهة العظمى في السماء.

لماذا الموت؟

يرصد المبحث السادس النصوص الرافدينية القديمة، منقبا فيها عن مشاعر الخوف التي كانت ترافق الإنسان في الحياة، وعجزه أمام الموت الذي يتلاعب به، مما دعاه إلى أن يفتش عن طريقة تريحه من عذاب الحياة ومرارة الموت، فاخترع فكرة الخلود ليجيب عن السؤال الأبدي: «لماذا الموت؟». علَّه من خلال هذا السؤال يجد الراحة والاستقرار، والأديب العراقي القديم، حاول أن يُفهِم الناس بأن الموت أمر مفروغ منه لكل إنسان، أما الخلود فيمكن الحصول عليه عن طريق مادة مجسدة تدعى طعام الحياة ونبات الحياة، وهي العلامة الفارقة لمتناوليها بين الآلهة والبشر، وماء الحياة وطعام الحياة يشيران إلى ماء معين يذكره النص باسم (ملامو) وإلى طعام معين اسمه (بلخو) وربما كان هذا الطعام هو البلح أو التمر، باعتباره ثمرة شجرة سومرية مقدسة، ولا يعرف على وجه الدقة ماذا يعني ماء الحياة، وربما يشير إلى شعار الإله (أيا) إله المياه العذبة والشفاء، وقد اتخذه قدماء العراقيين شعارا لهم بتوالي حقبهم التاريخية معبرين عن حضارتهم.

معتقداتهم حول الروح

كان الموت في مقدمة ما أثار خيال الإنسان في بلاد الرافدين، ومن هنا أصبحت دورة الحياة والبعث، تمثل الفكرة المركزية في الدين والأساطير، وهنا يشير الكتاب إلى أنه من خلال دراسة الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة، يتضح أن الموت في فكر الإنسان لم يكن مرحلة نهائية تضع حدا للوجود الإنساني بجميع صوره، إنما كان عبورا إلى حالة وجودية مغايرة ظلت مترافقة مع فكرة الموت في فكر الإنسان، بغض النظر عما إذا كانت أفضل أو أسوأ من الحالة الأولى للوجود الدنيوي، وسكان بلاد الرافدين لم يؤمنوا بالفناء المطلق، إذ كان اعتقادهم أن الإنسان مكون من جسد وروح، وعندما يموت الإنسان تنفصل الروح عن الجسد، وتلج إلى عالم جديد هو عالم الأرواح السفلى، كما لم يؤمنوا بعقيدة البعث ولا بعودة الروح إلى الجسد مرة أخرى، على الرغم من اهتمامهم بعادات الدفن ووضع الأثاث الجنائزي كل شهر في القبور، إلاَّ أن المؤلف يضع هذا الموقف في احتمال أن ذلك يكون من قبيل اتقاء الأذى، الذي ربما يتعرض له الميت أكثر من كونه نوعا من التكريم. كما لم يعتقد سكان بلاد الرافدين في مسألة الثواب والعقاب الأخروي، ومن ثم لم يأنسوا لفكرة الجنة والنار، وكان عقاب الفرد على الذنوب أو الحسنات عقابا دنيويا صرفا، ومن هنا فإنهم أحبوا الدنيا وتمتعوا بها. ويمضي بشير الأسود في قراءته لمسألة الخلود، فيؤكد أن جميع الحضارات القديمة التي تعاقبت على جغرافية الشرق القديم كانت مهووسة بفكرة البحث عن جنة الخلود، التي فقدها الإنسان الذي كان يعيش فيما يسمى بالعصر الذهبي، ويعزي سبب نشوء فكرة الجنة في الأصل إلى حنين الإنسان القديم واشتياقه للفردوس الأول الذي كان فيه قبل نزوله إلى الأرض، حيث يوجد في السماء عالم مثالي فيه الحرية والمساواة المطلقة، وربما حلم طويلا بعودته يوما ما، حتى صار ذلك الحلم أساس الخيال الأسطوري الذي نما وترعرع حول فكرة الجنة لديه، وقد عبّر السومريون عن ذلك الحلم في نص شعري يصف العصر الذهبي للإنسان قبل هبوطه إلى دنيا العبودية والعمل المغترب، حيث كان سيد نفسه وسيد الطبيعة، وتصور القصيدة السومرية السعادة المثالية التي كان يعيشها الإنسان الأول قبل سقوطه في عالم الشقاء الأرضي:
«في تلك الأيام لم يكن هناك حية ولا عقرب ولا ضبع
لم يكن هناك أسد ولا كلب شرس ولا ذئب
لم يكن هناك خوف ولا رعب
لم يكن هناك للإنسان من منافس».

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...