في تعليقها على نتائج الانتخابات المحلية، رأت صحف بريطانية عديدة أن ما حدث زلزال سياسي أطاح عمليا بفكرة الثنائية الحزبية التقليدية في البلاد، وشكل استمرارا لتحوّل عميق بدأ منذ سنوات، كما أشعل تمردا داخليا متصاعدا داخل حزب العمال.
وقد حذر تحليل بقلم فريزر نيلسون في صحيفة تايمز من أن الأزمة الأعمق لا تتعلق فقط بالأحزاب أو القيادات، بل بتفكك البنية السياسية والاجتماعية التي كانت تقوم عليها الحياة الحزبية في بريطانيا.
وأشار التحليل إلى أن المجتمعات الصناعية القديمة التي كانت تشكل قاعدة صلبة لحزب العمال تتآكل تدريجيا، بينما تتغير خريطة الضواحي والمناطق الحضرية بشكل يجعل الولاءات الانتخابية أكثر سيولة وعدم استقرار.
ويرى نيلسون أن المشهد الحالي ليس استبدالا سريعا لطبقة سياسية بأخرى، بل مرحلة طويلة من تفكك النظام الحزبي التقليدي الذي كان قائما على حزبين رئيسيين، لصالح حالة سيولة سياسية مفتوحة، مؤكدا أن التراجع الحاد في حزب العمال يتزامن مع ضعف مماثل في حزب المحافظين، مما خلق فراغا سياسيا استغله حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج.
وأضاف التحليل أن الانتخابات المحلية في بريطانيا لم تعد تعكس أداء المجالس المحلية بقدر ما تعكس الغضب السياسي الوطني تجاه الحكومة الحالية، وتراجع الثقة في قدرتها على تحسين الوضع الاقتصادي.
وخلص نيلسون إلى أن بريطانيا تتجه نحو نظام سياسي أكثر تعقيدا، قد يضم خمسة أو ستة أحزاب مؤثرة بدلا من النظام الثنائي التقليدي، مما يجعل نتائج الانتخابات المستقبلية أقل قابلية للتنبؤ.
انهيار في ولاء الناخبين
ونبه تحليل آخر بالصحيفة نفسها -كتبه أليس طومسون وتريفور فيليبس وماثيو باريس- إلى أن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا لم تكن مجرد خسارة لحزب العمال بقيادة كير ستارمر، بل شكّلت زلزالا سياسيا أطاح عمليا بفكرة الثنائية الحزبية التقليدية في البلاد، وكشف عن انهيار واسع في ولاء الناخبين لكل من العمال والمحافظين على حد سواء.
ويؤكد التحليل أن حزب العمال تلقى الضربة الأقسى، إذ لم يقتصر التراجع على خسارة مقاعد ومجالس محلية واسعة، بل امتد ليشمل فقدان الثقة في القيادة نفسها، مع تحول الغضب الشعبي نحو أحزاب بديلة.
وفي الوقت نفسه، لم يتمكن أي من الأحزاب الأخرى التقليدية أو الصاعدة من تقديم بديل متماسك قادر على استيعاب هذا التراجع -حسب التحليل- وفي المقابل، برز حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج كأكبر مستفيد من حالة السخط العام، وتمكن من اختراق مناطق كانت تعد معاقل تقليدية للعمال والمحافظين، مستفيدا من خطاب مباشر وبسيط جذب شرائح واسعة من الناخبين، خصوصا خارج لندن.
من جهتها، اهتمت صحيفة غارديان بالأزمة التي تواجه حكومة ستارمر، وأشارت -في تقرير بقلم بيبا كررار وجيسيكا إلغوت- إلى أن هذه الأزمة أشعلت تمردا داخليا متصاعدا يطالب رئيس الوزراء بوضع جدول زمني لمغادرة السلطة، بعد أن خسر الحزب السيطرة على أكثر من 25 مجلسا محليا ونحو ألف مقعد بلدي في إنجلترا، وسط تقدم لافت لحزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج.
ورأى التقرير في هذه النتائج مؤشرا على تحول عميق في المزاج السياسي البريطاني، خصوصا مع التراجع التاريخي لحزب العمال في ويلز، حيث خسر الحزب أحد أبرز معاقله السياسية بعد أكثر من قرن من الهيمنة، في وقت شهدت فيه لندن صعودا قويا لحزب الخضر الذي انتزع السيطرة على عدد من المجالس المحلية التي كانت تُعد حصونا تقليدية للعمال.
انقسام متزايد داخل حزب العمال
وأشار التقرير إلى أن هذه الهزائم أطلقت موجة غضب داخل الحزب الحاكم، حيث بدأ عدد متزايد من النواب والنقابيين يتحدثون علنا عن ضرورة رحيل ستارمر أو على الأقل تحديد موعد لخروجه، واعتبر منتقدوه أن الحزب بات مهددا بانهيار انتخابي أوسع إذا استمر المسار الحالي.
ورغم الضغوط، رفض رئيس الوزراء الحديث عن الاستقالة، مؤكدا أنه لن يترك الحزب يدخل في حالة فوضى داخلية، ولكنه اعترف بوجود حالة إحباط عامة لدى الناخبين، ووعد بتقديم رؤية جديدة وأكثر تفاؤلا لمستقبل البلاد في خطاب مرتقب خلال الأيام المقبلة.
في المقابل، اعتبر نايجل فاراج -حسب التقرير- أن نتائج الانتخابات تمثل “تحولا تاريخيا” في السياسة البريطانية، بعدما تمكن حزبه من حصد مئات المقاعد والسيطرة على مجالس محلية جديدة، مستفيدا من الغضب الشعبي تجاه الحزبين التقليديين، في وقت حقق فيه حزب الخضر تقدما غير مسبوق هو الآخر، معلنا نهاية هيمنة الثنائية السياسية التقليدية بين العمال والمحافظين.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة لم تقتصر على نتائج الانتخابات فقط، بل كشفت أيضا عن انقسام متزايد داخل حزب العمال بشأن اتجاهه السياسي، إذ يرى بعض النواب أن الحزب خسر أصواتا لصالح الخضر بسبب ابتعاده عن السياسات اليسارية والاجتماعية، في حين يرى آخرون أن المشكلة تتعلق بضعف القيادة وفشل الحكومة في إقناع الناخبين بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في الاقتصاد والخدمات العامة.
وفي السياق نفسه، ركزت صحيفة إندبندنت -في تحليل إخباري بقلم ديفيد مادوكس- على الأزمة التي يعيشها حزب العمال بعد الانتخابات المحلية الأخيرة، فرأت أنها لم تعد تقتصر على تراجع شعبية رئيس الوزراء كير ستارمر، بل أصبحت أزمة قيادة شاملة تضرب الحزب بأكمله، بما في ذلك الشخصيات التي كانت تُطرح كبدائل محتملة لخلافته.
مأزق حقيقي
وأوضح التحليل أن الهزيمة الانتخابية الواسعة التي تعرض لها الحزب في مختلف أنحاء بريطانيا كشفت أن الناخبين لا يرفضون فقط “نهج ستارمر”، بل يرفضون أيضا معظم الوجوه البارزة داخل حزب العمال.
وأشار التحليل إلى أن أبرز المرشحين المحتملين لقيادة الحزب مستقبلا، مثل أنجيلا راينر وآندي بورنهام، تعرضوا بدورهم لانتكاسات سياسية محرجة في المناطق التي يفترض أنها تمثل قواعد نفوذهم التقليدية، إذ خسر الحزب مقاعد كثيرة لصالح حزب الإصلاح في شمال غرب إنجلترا، حيث يتمتع بورنهام بنفوذ واسع بصفته عمدة مانشستر الكبرى.
وخلص التحليل إلى أن الناخب البريطاني يبعث برسالة مزدوجة، تتمثل في رفض واضح للقيادة الحالية، وعدم اقتناع بالقيادات البديلة المطروحة داخل الحزب، خاصة أن كثيرا من النواب باتوا مقتنعين بأن ستارمر أصبح عبئا انتخابيا على الحزب، لكنهم في الوقت نفسه عاجزون عن الاتفاق على شخصية قادرة على إنقاذ الوضع أو استعادة ثقة الناخبين.
من جهة أخرى، لفت التحليل إلى أن الأزمة لا تخص حزب العمال وحده، إذ يعاني المحافظون أيضا من تراجع حاد في معاقلهم التقليدية رغم التحسن النسبي في شعبية زعيمتهم كيمي بادنوك، لكن المستفيد الأكبر من انهيار الحزبين التقليديين كان نايجل فاراج.
وفي ختام التحليل، يرى الكاتب أن حزب العمال يعيش مأزقا حقيقيا، لأن ستارمر لم يعد قادرا على إلهام الناخبين ولا استعادة الثقة الشعبية، كما أن الحزب لا يملك حتى الآن شخصية بديلة تمتلك الكاريزما أو النفوذ الكافي لتوحيد الحزب وقيادته نحو استعادة الزخم السياسي.
المصدر: الجزيرة






