ذ.وضاح عبد الباري طاهر
يعتبر الباحث الألماني فريد ريش فون دير لاين أحد الذين تخصصوا في دراسة الحكاية الخرافية غير مقتصر في دراسته على الأدب الألماني وحده، بل الأدب العالمي كله.
إن الأمر الذي استحق من هذا الباحث في أن يتعمق في هذا التخصص هو ما اكتشفه من كنوز ثمينة تنطوي عليها هذه الحكايات لا من الناحية الفنية فقط؛ بل حتى من ناحية الإلمام بتصورات الشعوب ومعتقداتها( ).
إن ما يميز هذه الحكايات ويعطيها تلك الأهمية أيضًا أنها لا تقتصر على تسلية الأطفال فحسب، أو غرس بعض القيم التي يتمثلونها في أدوار حياتهم، وإنما هي مفيدة لهم وللكبار أيضًا حيث تثير في أنفسهم المقدرة على الخلق. فهي إن لم تكن وسيلة لإثارة المقدرة على الخلق والإبداع؛ فستفقد قيمتها السحرية وجاذبيتها.
هذه هي القيمة الحقيقية للقديم في أنه يبعث على خلق الجديد، وما يفرضه علينا من أن نبدأ من حيث انتهى.
لكن الأمر في السابق لم يكن على هذا النحو في تقدير الحكايات الخرافية التي يحكيها الآباء والأمهات لأبنائهم في سن الطفولة، أو التي يتلقاها هؤلاء الأطفال في مدارسهم على أيدي معلميهم.
يتحدث كورني تشوفسكي K. Chukovasky، وهو أحد مؤلفي كتب الأطفال الروس المشهورين في الاتحاد السوفيتي السابق أنه خلال فترة تاريخية ما في روسيا كان هناك اتجاه سلبي نحو التخييل والفانتازيا في الدوائر الأكاديمية، ولم يكن هناك تشجيع للوالدين أو المعلمين على حكي (قص) الحكايات الخرافية للأطفال؛ لأنها قد تبعدهم عن الواقع، وقد تخلق تشويشًا أو إرباكًا في عقول الأطفال حول طبيعة الواقع الحقيقي.
بل لقد تلقى تشوكوفسكي نفسه خطابًا من أحد المسئولين الكبار يوبخه على الطبيعة الخيالية للشعر الذي كتبه من أجل الأطفال جاء فيه: “اللعنة عليك والعار يا رفيق تشوكوفسكي؛ لأنك تملأ عقول أطفالنا بكل هذه الأنواع من الهراء!”.
ويذكر كولن ولسن في نقاش له مع أحد طلبته قوله له: “أود أن أكون كاتبًا. ولكني لا أستطيع أن أؤمن أن الروايات مهمة. فإذا ما شاركت في مسيرة احتجاج ضد الحرب، فإنه قد يكون لذلك بعض التأثير العملي. ولكنك إذا كتبت قصة فإنك تعلم أنها محض خيال. ما من رواية غيرت مجرى الأحداث في هذا العالم..”.
ويعلق الأستاذ ولسن على كلام التلميذ قائلاً:” تبين لي أن ذلك من أكبر المفاهيم الخاطئة على الإطلاق. إن الرواية لم يبلغ عمرها بعد سوى قرنين ونصف القرن. ولكنها بعد ذلك الوقت غيرت من ضمير العالم المتمدن. إننا نقول: إن دارون وماركس وفرويد غيروا وجه الثقافة الغربية، ولكن تأثير الرواية كان أعظم من تأثير الثلاثة مجتمعين”( ).
إذن لقد تغير كل شيء الآن، وصار بمقدورنا أن ننظر للقصص الشعبية أو القصص الخرافية بمزيد من الاهتمام والتقدير؛ وذلك للقيم التي تتضمنها في طياتها، والخيال الذي يخلق آفاقًا أوسع في عقول النشء.
وفي قصة «الضفدعة العزباء» يظهر لنا جليًا ما ذكره فيلاند في مقدمة مجموعته عن خصائص الحكايات الخرافية الشعبية كونها شكلاً أدبيًا تلتقي فيه ظاهرتان للطبيعة الإنسانية: الأولى: ظاهرة الميل إلى الشيء العجيب.
والثانية: ظاهرة الميل إلى الشيء الصادق والطبيعي. وحيث تلتقي هاتان الظاهرتان توجد الحكاية الخرافية. على أن هاتين الظاهرتين تفرض أن تجمع بينهما علاقة صحيحة، فإذا لم توجد هذه العلاقة الصحيحة؛ فقدت الحكاية الخرافية سحرها وقيمتها( ).
إن ما يميز قصة «الضفدعة العزباء» ( )THE FROG MAIDENعن قصة «الحسناء وذات الوجه المجدور» THE BEAUTY AND PUCK FACE -أنها لا تجعل من الجمال الظاهري قيمة دالة على جمال الباطن؛ ولعل ذلك بسبب أنها قصة شرقية تتحدر من جنوب آسيا.
ومع ذلك، فهي لا تختلف عن سابقاتها بنحوٍ ما في إضفاء صفة الشر على القبيحات، كما سيتبين معنا في القصة.
تحكي القصة أنَّ امرأة حُرمت من نعمة الإنجاب، وكانت هي وزوجها يتوقان لطفل يرزقان به. وعندما حظيت الأم بالحمل أخيرًا، فوجئت أنها أنجبت ضفدعة صغيرة. ومع خيبة أمل الوالدين، إلا أنهما مع مرور الوقت بدأا يحبان هذه الطفلة الضفدعة لحديثها العذب، وتصرفها اللائق والراقي، وهكذا جذبت من حولها، ونالت حب جيرانها.
لم تمهل الأقدار الأم، فما لبثت أن ماتت، ورأى زوجها أن يقترن بامرأة تقوم بشئونه؛ فتزوج أرملةً لها ابنتان «قبيحتان».
كانت الغيرة تتملك زوجة الأب وابنتيها من هذه الضفدعة الصغيرة بسبب ذكائها الاجتماعي والشعبية التي تتمتع بها في محيطها؛ لذلك ما فتئتا يذيقانها مُرَّ المعاملة القاسية. وهنا يظهر التشابه بين هذه القصة، وقصة «سندريلا»، أو قصة «وريقة الحنا»، في الموروث الشعبي اليمني.
وذات يوم يعلن الابن الأصغر للملك عن احتفال خاص به، دعا فيه جميع فتيات المملكة لحضور هذه المناسبة، ليتم خلالها اختيار الفتاة المناسبة لتكون زوجًا له.
بدأت الشقيقتان للتجهز لحضور هذه المناسبة، فلبستا أفضل فساتينهما على أمل أن يقع عليهما الاختيار، وترجت الضفدعة منهما أن يصطحباها دون جدوى.
اقتفت الضفدعة آثارهما إلى بوابة القصر. وهناك واجهها حراس القصر الذين سمحوا لها بالدخول بفضل لطفها وتهذيبها الجم.
يلاحظ الأمير الشاب أثناء الاحتفال أن جميع الفتيات المدعوات جميلات، فاقترح أن يرمي عقد الياسمين في الهواء، على أن من يقع عليها هذا العقد، فسيختارها زوجًا له. وهكذا يقع العقد على الضفدعة. أضمر الأمير أسفه، لكنه عزم على إنفاذ ما وعد به، فاتخذ الضفدع زوجًا له.
وتتسارع الأحداث، ليعلن الملك لأبنائه الأربعة رغبته في التخلي عن الملك بسبب كبر سنه، ويخبرهم عن عزمه في اختيار أحد أبنائه ليكون وريثه على العرش بعد أن يجتاز الاختبار الذي يضعه.
يطلب الوالد من أبنائه الأربعة أن يحضروا له غزالا ذهبيًا عند فجر اليوم السابع من يوم إعلانه، فيخفق الإخوة الكبار، وينجح الأمير الأصغر بمساعدة زوجته الضفدعة.
يترجى الإخوان أباهم أن يمنحهم فرصة أخرى، فيتكرر نجاح أخيهم الأمير الصغير بمساعدة زوجته الضفدعة، وإخفاقهم، ويتكرر إلحاحهم بمنح أبيهم لهم فرصة أخرى؛ فيعلن الملك قراره الأخير بأن عليهم أن يأتوا في فجر اليوم السابع بأجمل امرأة على الإطلاق، ومن نجح في ذلك؛ فسيكون وريثه على العرش.
يسُرّ الأمراء الثلاثة الكبار بقرار والدهم؛ فكل واحد منهم لديه زوجة جميلة ترشحه في أن يكون وريثًا للعرش بخلاف أخيهم الأصغر الذي سخروا منه بأنه كسول وعديم الفائدة، ولم تكن زوجته سوى ضفدعة قبيحة المنظر.
يعود الأمير الصغير إلى غرفته كاسف البال حزينًا بسبب قرار والده الأخير، ويكاشف زوجته الضفدعة عن عزمه على البحث عن امرأة جميلة. لكن زوجته طلبت منه ألا يهتم، وأن ينام رخي البال، وأن يصطحبها معه صبيحة اليوم الموعود، وأنها بلا شك ستكون الأجمل من بين تلك النساء.
وفي اليوم المحدد تطلب الضفدعة من زوجها أن ينتظرها بالباب ريثما تتجمل، وتضع بعض المساحيق على وجهها، وفيما كان الزوج ينتظر زوجته الضفدعة كان يأمل أن تتحول الضفدعة إلى امرأةً جميلة يستحق أن ينال بها عرش والده.
لكنها خرجت بهيئتها المعروفة كضفدعة، ومع ذلك لم يظهر أسفه مراعاةً لشعورها، فاصطحبها معه، ومضى إلى القصر، وهناك القصر كان والده وإخوته قد سبقوه بمعية زوجاتهم الجميلات، فسأله أبوه مستغربًا: أين فتاتك الجميلة؟!
وهناك تحدثت الزوجة الضفدعة قائلة:
– سوف أجيب عن الأمير سيدي الملك. أنا فتاته العزباء الجميلة. وعندئذ خلعت جلدها، وانتصبت كأجمل فتاة عزباء جميلة ترتدي فستانًا من الحرير. في تلك اللحظة أعلن الملك أنها أجمل فتاة عزباء في مملكته، واختار ولده الأصغر ليكون وريثه على العرش.
وفي الأخير..
لا تخفى المضامين الأخلاقية التي تحويها هذه القصة؛ ولعل أهمها تعليم الأطفال الوفاء بوعودهم، وعدم اعتبار الجمال الظاهري معيارًا للجمال الحقيقي؛ وذلك بأن يتجنبوا الحكم على الأشخاص بناءً على مظهرهم الخارجي، كما تعلمهم أيضًا أن التهذيب وحسن الخلق يفتحان الأبواب المغلقة للمرء، وأن المرأة الصالحة الموهوبة تساعد زوجها للوصول إلى أفضل ما يتطلع إليه.
(1 ) انظر: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، د. نبيلة إبراهيم، مكتبة غريب، الفجالة، ط3، ص79.
( 2) فن الرواية، كولن ولسن، ترجمة محمد درويش، دار المأمون للترجمة والنشر، 1986 ص 28.
(3 ) أشكال التعبير في الأدب الشعبي (مصدر سبق ذكره)، ص81.
(4 )Reading Games, Jill Charles, Hadfield,longman,p.21.





