أزمة الوساطة الرمزية في الفضاء الأوروبي: قراءة في مقال الدكتور عبد الحي السملالي بجريدة العمق المغربي
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
لم يعد النقاش حول الشأن الديني ومؤسسة الإمامة في الفضاء الأوروبي مجرد ترف فقهي كلاسيكي يبحث في شروط اعتلاء المنبر وصحة الصلاة بل تحول في الآونة الأخيرة إلى قضية بنيوية معقدة ترتبط بسوسيولوجيا الدين وصراع الهويات داخل المجتمعات الغربية. وفي هذا السياق يأتي المقال الهام والعميق الذي نشره الباحث الأكاديمي الدكتور عبد الحي السملالي عبر منبر العمق المغربي ليفتح نافذة تحليلية مغايرة يفكك من خلالها أزمة التكوين وتحولات السلطة التي تحيط بالفاعل الديني في المهجر.
تنطلق أهمية مقاربة الدكتور السملالي من نقل النقاش من الأسئلة المعيارية التقليدية إلى سؤال بنيوي وسوسيولوجي حارق: من يملك سلطة إنتاج صورة الإمام اليوم؟ وهو سؤال يضعنا مباشرة أمام مأزق الوساطة المعرفية وعجزها عن مواكبة الاغتراب الفكري والوجودي الذي تعيشه الأجيال الشابة من مسلمي أوروبا والذين يتجاذبهم نمط الحياة الأسري المحافظ من جهة وإغراءات الحداثة والفردانية السائلة في الشارع الغربي من جهة أخرى.
عند تأمل تشخيص الدكتور السملالي لأزمة الخطاب المنبري نجد أنه يضع يده على جرح غائر يتعلق ببنية إعداد الدعاة فالآليات التقليدية والحركية التي يُنتج الفاعل الديني من خلالها تفتقر بشكل حاد إلى المقاربات النفسية والاجتماعية الضرورية لفهم تركيبة العقل الأوروبي الحديث وتناقضاته.
ونتيجة لهذا القصور يميل الخطاب الوعظي الحاضر في كثير من المساجد إلى التبسيط والعاطفية حيث يلجأ بعض الخطباء إلى استدعاء الصراعات التاريخية الكبرى للامتداد الإسلامي كتحرير بغداد أو الأقصى بدلاً من تقديم إجابات واقعية وعملية لشباب يواجه تحديات يومية معقدة ترتبط بأسئلة الهوية والاندماج والمواطنة ولم يقف الكاتب عند عجز الأدوات المعرفية بل غاص في نقد سيكولوجية الواعظ مبيناً أن بعض من يعتلي المنابر يعيش مراهقة فكرية تبحث عن بريق الزعامة الفردية والتصفيق مما يحوّل المنبر من منصة لعلاج تمزقات الشباب إلى مسرح لاستعراض الذات وتخدير الجماهير بالشعارات.
إن الملمح الأكثر عمقاً في رصد هذه الأزمة يتجلى في تحجيم دور الإمام بفعل تقاطع مصلحي بين جهتين: بعض الجمعيات المحلية المسؤولة عن إدارة المساجد والسياسات الرسمية للدول الحاضنة فالأولى تدير المساجد بمنطق إداري ريعي يفتقر للأدوات المعرفية بينما تتطلع الأجهزة الرسمية في الغرب وفرنسا كنموذج بارز إلى تشكيل فاعل ديني يتسم بالمهادنة المطلقة ويسهل إخضاعه للأطر الأمنية.
هذا التقاطع أنتج مفارقة صارخة فلا النموذج الحركي المؤدلج قادر على قراءة الواقع ولا النموذج الرسمي المُدجّن يجيب عن أسئلة الناس وبذلك تم تفريغ الوظيفة الدينية من محتواها الروحي والإصلاحي ليتحول الإمام إلى تقني اجتماعي لإدارة الهوية أو مُصلح إجرائي ينحصر دوره في تهدئة الأزمات وامتصاص الاحتقان وتبرير السياسات في مقابل تهميش وتغييب دوره الأساسي في التفكير النقدي ومواجهة المعضلات الفكرية الحقيقية التي تؤرق الشباب.
تكمن القوة التحليلية لأطروحة الدكتور السملالي في إثارته لسؤال فلسفي حول مفهوم الثابت والمتحول فالخطاب السائد يصر على تقديم صورة الإمام التقليدية كثابت نصي غير قابل للمس بينما يُعامل الواقع الأوروبي المتغير كاستثناء عابر وهنا يفكك الكاتب هذا الوهم مؤكداً أن الإمامة في أوروبا ليست امتداداً جغرافياً أو تاريخياً للمرجعيات التقليدية في العالم الإسلامي بل هي مؤسسة جديدة ناشئة تُعاد صياغتها تحت ضغط العلمانية الشاملة والإعلام وتوازنات السياسة المحلية.
بناءً على ذلك فإن الاستمرار في استيراد النماذج الجاهزة أو الخضوع التام لتأثير الإسلام القنصلي والتمويلات العابرة للحدود لن ينتج سوى خطاب عاجز عن التأثير ومؤسسات فاقدة للمصداقية والشرعية والفاعلية أمام أجيال جديدة تبحث عن الكفاءة والواقعية لا الوعظ الإنشائي.
تأسيساً على ما طرحه الدكتور عبد الحي السملالي يمكن القول إن الأجيال الصاعدة من مسلمي أوروبا تجاوزت مرحلة الاستماع إلى الخطب الإنشائية أو الاستعراضات الصوتية الشاخص أبصارها في الماضي إنهم بحاجة ماسة إلى خطاب ديني يفهم لغتهم ويتفهم خصوصية سياقهم الثقافي والاجتماعي خطاب يتسلح بجرأة المراجعة والنقد قبل أدوات الوعظ والتلقين إمامة ترى الناس ولا تمر فوق رؤوسهم.
إننا أمام منعطف تاريخي يستوجب إعادة صياغة مفهوم الإمامة كاملاً وفق أسس علمية وإنسانية حديثة تتوطن في البيئة الغربية وبدون هذا التحول المعرفي الجاد سيبقى التساؤل حارقاً: من يأخذ بيد هذه الأجيال في خضم هذه التحولات الكبرى؟ ومن يملك الشجاعة الفكرية لقراءة الواقع كما هو بعيداً عن الشعارات والأيديولوجيات الضيقة؟





