ذ.عبد القادر الفرساوي
من كان يظن أننا سنشهد يوماً في المغرب يُثار فيه الجدل حول البسملة في الأحكام القضائية؟! يبدو أن النقيب عبد الرحيم الجامعي قد قرر أن ينفض الغبار عن هذه المسألة بطريقة أثارت الكثير من النقاشات والحيرة. في مرافعة شهيرة، قال النقيب الجامعي إن “الأحكام والقرارات القضائية ليست آيات قرآنية تفتتح بالبسملة، ولا أبيات شعر، ولا أمثالا ولا حكما، ولا قصائد يختار محررها ما يناسب ذوقه أو ثقافته أو عقيدته”. ولعل هذا التصريح يبدو وكأنه صادر من كاتب أدبي يبحث عن تنوع في مقدمة كتاباته، وليس من قانوني يتحدث عن مؤسسة قضائية راسخة يترأسها أمير المؤمنين .
الجامعي شدد على أن “الصيغة الدستورية هي المرجعية الوحيدة التي تصدر بها القرارات والأحكام”، مشيراً إلى المادة 124 من الدستور التي تنص على أن ” الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك وطبقا للقانون”. وكأن القضاة في المغرب، حتى الآن، كانوا يصدرون أحكامهم بناءً على أهوائهم الشخصية وليس وفقاً للقانون والدستور أو كأنه يقول إن الملك ليس مسلما. يحاول النقيب الجامعي أن يضع حداً فاصلاً بين الدين والقضاء، قائلاً إن المحاكم يجب أن تكون “علمانية بحتة”، لا ارتباط لها بأي أيديولوجية أو عقيدة. لكنه يغفل أو يتغافل عن أن المغرب دولة إسلامية و أن ملكها أميرا للمؤمينن،وأن الدستور يؤكد على إسلامية الدولة. وأضاف الرجل، بمثالية تكاد تلامس حدود السذاجة، أن التبرك بالله مسألة شخصية، لكن عندما يتعلق الأمر بالأحكام القضائية، فيجب أن تكون محايدة بعيدة عن الله و عن البسملة.
من المثير للسخرية أن النقيب الجامعي يعتبر أن إضافة البسملة للأحكام القضائية يُعد خرقاً للدستور، مستشهداً بقرارات محكمة النقض التي أبطلت أحكاماً صدرت فقط “باسم الملك” دون “وطبقا للقانون”. لكن هل حقاً تُعد البسملة تهديداً للنظام العام؟ أم أن النقيب يحاول خلق جدل من لا شيء؟ أم أن خلفه من خلفه؟
لننظر إلى الذين يدعون إلى العلاقات الرضائية، أو عدم اشتراط عقود الزواج في الفنادق، أو أولئك الذين ينتقدون الأذان في الأماكن العامة بحجة الضوضاء، أو الذين يطالبون بالإفطار علناً في رمضان. هؤلاء الأشخاص يغفلون أن الهوية الدينية والثقافية لأي مجتمع تشكل جزءاً لا يتجزأ من نظامه الاجتماعي والسياسي.
جلالة الملك، يدرك تماماً أنه يخاطب جمهوراً متنوعاً من العلمانيين ومختلفي المعتقدات، ومع ذلك يفتتح خطاباته بأكثر من البسملة، بالحمد والثناء و الصلاة و السلام على النبي الكريم. الملك، الذي يجسد الشرعية الدستورية والدينية، يرى في هذا بداية مباركة، فكيف يمكن للنقيب الجامعي أن يعتبرها تهديداً للدستور؟؟ من المثير للسخرية أن نتخيل النقيب الجامعي، رغم موقفه العلني، يذكر البسملة في نفسه قبل مرافعاته في المحاكم، تبركاً واستعانةً بالله لعل الله يوفقه في دفاعه. هذا التناقض يظهر بوضوح كيف يمكن للجدل حول المسائل الدينية أن يتخذ أبعاداً شخصية واجتماعية معقدة.
الظاهر أن النقيب الجامعي ربما يحتاج إلى درس في الواقع المغربي، حيث الدين والدولة يلتقيان في نقاط عديدة. بدلاً من إثارة جدل لا طائل منه حول البسملة، قد يكون من الأجدى له أن يوجه جهوده نحو قضايا أكثر أهمية وحيوية. ففي بلد مسلم، لن تكون البسملة تهديداً للدستور، بل هي تعبير عن هوية أصيلة وثقافة متجذرة. اختار النقيب الجامعي الطريق الأسهل لإثارة الجدل، بدلاً من مواجهة التحديات الحقيقية التي يواجهها النظام القضائي في المغرب. فليتفضل بالبحث عن قضايا تستحق جهده واهتمامه، بدلاً من الانغماس في نقاشات فارغة لا تخدم إلا الإثارة الإعلامية.





