خواطر تربوية حول الأسرة بين التكوين والتفكك

 

 

 

 

ذ. أحمد براو 
 باحث ومحاضر في مجال “التربية والثقافة والمجتمع” بجامعة كالابريا

 

 

الأسرة هي أحد الأنظمة الإنسانية والاجتماعية التي يتميز بها وجودنا في العالم؛ إنه النظام الأول للأفراد الذي يتم تنظيمه على أساس العلاقات بين الركائز التي تتكون منه، وبينهم وبين العالم الخارجي. في علم الاجتماع يشير إلى أن الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع البشري وحجر الأساس فيها، وأهم جماعاته الأولية.
– تكوين أسرة يعني الانتقال من أنا الى نحن
منذ مرحلتها الأولية التي يختار فيها شخصان بعضهما البعض ويقرران تكوين أسرة من زوجين مستقرين، ويستمران تدريجيًا عبر مراحل تطورية مختلفة تميز عجلة حياتهما، لكن فجأة تتطور الأسرة وتتغير وتعيد هيكلتها خلال هذه الخطوات التطورية، حيث لم تعد وظيفة الأسرة والقواعد المعتمدة حتى تلك اللحظة فعالة بالنسبة للنظام الجديد، وبالتالي يبدو أن إعادة التنظيم ضرورية؛ ، وإلا نشهد أزمة حقيقية كما إن التغلب على هذه الأزمة بنجاح يسمح بالانتقال إلى المرحلة التطورية التالية في مسار الأسرة. تشكيلة الزوجين هو اجتماع للأفراد الذين قرروا أن يصبحوا “نحن”، والانتقال من “أنا” إلى نحن ينطوي على الانتقال إلى التفكير العلائقي، وهي عملية يقوم الشخص من خلالها بتطوير شخصيته دون إلغاء هذه الأخيرة. وبالتالي فإن رمز العائلة هو “نحن” الذي يتغير بمرور الوقت، بما يتماشى مع دورتها التطورية. إن “نحن” الذي يُبنى في حياة الزوجين يتم تنفيذه وينمو إبان الأبوة والأمومة. كما أن العلاقة التي تجمع الزوجين معًا تتطور حتماً في مراحل تكوين الأسرة وفي تبادل الأفكار والتخيلات، والعواطف والقيم، وفي تكامل التجارب الشخصية والعائلية لكلا العائلتين الأصليتين والتي تتوسع بعد ذلك، مع ولادة طفل، لاستقبال الفرد الثالث.
– تطور بيت الزوجية مع قدوم ثالث ثلاثة
يتم وضع الطفل الذي يصل في مساحة زمنية من العلاقات المتخيلة والمأمولة والمرغوبة في أذهان الوالدين حتى قبل أن يدخل الطفل نفسه في سلسلة الأجيال وسجل العائلات، وقبل أن يصبح ابنًا وابن أخ وابن عم، وجزء من!. إن مجيء طفل يسلط الضوء حتما على أن الطريقة المزدوجة التي يعمل بها نظام الأسرة لم تعد صالحة؛ هناك احتياجات جديدة تتطلب رعاية عائلية، احتياجات الأطفال حديثي الولادة واحتياجات كلا الزوجين اللذين لم يعودا مجرد زوج وزوجة، بل أبوين. تأخذ رعاية وتربية الطفل شكل سلسلة من السلوكيات التي تهدف إلى إشباع احتياجاته الفسيولوجية والارتباطية ومآلات التنشئة الاجتماعية؛ إن اهتمام الزوجين بهذه الحاجيات له علاقة بالاعتراف الشخصي والاجتماعي والعلائقي. لكي يعمل الزوجان معا بشكل جيد في بيت الزوحية، خصوصا في هذه المرحلة التطورية، يجب أن يكونا قادرين على إيجاد مصادر للرضا؛ فمن ناحية، سيسمح ذلك للطفل بإيجاد بيئة مناسبة قادرة على رعاية نموه، ومن ناحية أخرى، سيسهل نمو الزوجين في مرحلة الانتقال من حياة زوجية إلى مرحلة حنو الأبوة والأمومة، مما يسمح لهما بتنفيذ مهامهما. مهمة تنموية بطريقة وظيفية مغايرة للسابق.
– الطلاق بالمعروف من كلا الوالدين يحافظ على توازن الطفل
يعد الإنفصال الزوجي حدثًا حاسمًا يحدد الإحتياجات الجديدة لأفراد الأسرة، وبالتالي فهو يتطلب تعديلات وتغييرات واستجابات تكيفية جديدة. في هذه المرحلة، يتوقف المألوف ويتعطل مفهوم “نحن” بل ينقطع، ويحتاج إلى إعادة تعريف، لإيجاد معنى جديد في سيرورة العائلة الذي، على الرغم من الإنفصال وغياب الملاقاة وعلى الرغم من التغيرات الهيكلية والعلائقية، فهي حتما تستمر. وهنا لابد من الحرص على أن يظهر الأبوان أمام الابن بأنما قادران على التعامل مع المتغيّرات الجديدة في الحياة. إذا كان الزمن العائلي هو زمن تطوري، وبناء لتطور العلاقة مع الطفل، ففي هذه العائلات المتفككة، يصبح وقت الانفصال للأسف وقتًا مدمرًا، حيث يتم استخدامه لإبعاد الشريك السابق وإقصائه وغالبًا ما يراد تدميره في الفضاء العقلي والعاطفي والنفسي للطفل. في هذه المرحلة من الحياة الأسرية، لا يزال الطفل ينمو ويستمر في تطوير علاقة جيدة مع كلا الوالدين. إن الطفل – حتى لو كان يعيش في أسرة ذات أبوين منفصلين- لكي يتطور كشخص سليم ومتماسك بما فيه الكفاية، يحتاج دائمًا إلى تجربة واعدة إن لم نقل ناجحة وإلى عيش تجارب حقيقية من التكامل في حياة والديه وعائلات والديه.
– الانفصال والتفكك ومحاولة ومحو الآخر وتحييد علاقته مع الشريك السابق هو عمل غير طبيعي، وقد يؤدي إلى انفصام في هوية الطفل.
في حالات الانفصال المتضارب، غالبًا ما يتم تفكك الأسرة لأن الزوجين، اللذين يتخليان عن دور الزوجين، ينسيان أن يظلا والدين ويبدآن في العمل على تعديل المسؤوليات وتحميلها للطرف الآخر، وغالبًا ما تشوه هذه العلاقة الأسرية. وحتى لو كانت الدولة في هذه الحالات تحمي الطفل، سواء من خلال الاعتراف بحق القاصر في الحفاظ على علاقة متوازنة ومستمرة مع كل من الوالدين والحفاظ على علاقات مهمة مع الأجداد والأقارب من كل فرع من فروع الوالدين، ومن خلال تدخلها تهدف الحضانة إلى إرضاء حق الطفل في التمتع بالأبوة والأمومة معا، وفي الواقع، في كثير من حالات الانفصال يوضع الطفل في وسط النزاع بين الزوجين ويصبح أداة للخلاف. ومن هذا المنظور، فإن الحضانة، التي تقرر الدولة اختيارها بدلاً من الاختيار المسؤول للوالدين أو عن طريق الوساطة، لا تزال تُختبر في المنطق الثنائي -فائز/خاسر- المختل في مجال الاسرة.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...