ذ. هشام نوزري
ذة: عواطف الفضاضي
تخصص: الدراسات الشرعية
إن المتتبع لمسار الحياة اليومية لكل واحد منا، يجد أن هناك أشياء إيجابية تبعث الأمل في الروح وتحيي النفوس من سباتها، لاسيما إذا تعلق الأمر بتجارب الإنسان منذ ولادته إلى وفاته، ناهيك على أن هذا الأمل يعطي أكله؛ إذا كان من لدن أناس طيبين أمثال الشعب الإيطالي الذي يعد بحق متشبثا بقيم التعايش والتضامن والتآزر لا سيما مع المهاجرين من الدول العربية وغيرها، هذه الأمور الإيجابية جعلتني أدون ببنات يدي هذه الأسطر لتبقى شاهدة على تجربة حقيقية في تعلم اللغة الإيطالية بالمراكز الحكومية، حيث تُعد –اللغة- المفتاح الأساسي الأول لصناعة المعرفة والاندماج في أي مجتمع لا سيما في إيطاليا عن طريق المراكز الحكومية، وعلى رأسها CPIA (Centri Provinciali per l’Istruzione degli Adulti)، حيث تلعب هذه المراكز دورًا أساسيا في مساعدة المهاجرين على تعلم اللغة الإيطالية والتأقلم مع الحياة اليومية، عبر اكتساب خبرات وتجارب عملية مفيدة في الحياة اليومية، كل هذا يرجع بالدرجة الأولى للأخلاق الحسنة التي يتصف بها المجتمع الإيطالي على اختلاف مستوياته وشرائحه.
ويمكن القول، إن هذه المراكز تستقبل فئات متنوعة من المهاجرين من مختلف الجنسيات والأعمار، وتوفر برامج تعليمية مخصصة وموجهة لتعليم اللغة الإيطالية كلغة ثانية. تبدأ عادةً من المستويات الأساسية ((A1 وA2) )، وتصل أحيانًا إلى مستويات متوسطة وكبيرة مع التركيز على المهارات الأساسية مثل القراءة، والكتابة، والاستماع، والتحدث ومعرفة الثقافة الإيطالية العريقة. حيث كانت تجربتي مع هذه المراكز لبنة أساسية لبناء صرح تعلم المبادئ الأولى للغة الإيطالية، لكن هذا الأمر أعطى أكله حينما ترجم لأرض الواقع عبر تقديم مساعدات مُضنية من لدن الأساتذة المتخصصين الذين يشتغلون في هذه المراكزـ فهم يتميزون بالمعرفة والثقافة مع حسن الخلق والأدب، هذه الأشياء مجتمعة أثَّرت في نفسي بشكل كبير مع حبي لهذا البلد وأهله، مما أعطاني الأمل بعد سنوات خلت من معرفة الذات وجعلها قابلة للتعلم كخطوة إيجابية نحو الانفتاح والاندماج في المجتمع الإيطالي ذو الأصل الطيب، وهذا كله مرده إلى قوله تعالى حكاية عن أصحاب الكهف: (إِنَّهٌم فِتْيَةٌ آمَنُوْا بِرَبِّهِم وَزِدْنَاهُم هُدًى) (الكهف: 13)، حيث إن الآية تقدم درسا بليغا في وضوح الرؤية قصد تحقيق الأهداف، ناهيك على أن الحكمة المشهورة تقول: “إن الغروب لا يحول دون شروق جديد”.
في حين تأتي التجربة الثانية مؤكدة القول الأول، فمن خلال تجربتي المهنية كمنسقة داخل إحدى الجمعيات التربوية الخاصة بالقاصرين الأجانب غير المصحوبين، أتيحت لي فرصة الاحتكاك المباشر والتعاون مع عدد من المؤسسات التعليمية والجمعيات المدنية بمدينة تورينو الإيطالية التي تعنى بتعليم اللغة الإيطالية للأجانب ومرافقتهم في مسار الاندماج الاجتماعي والثقافي. وقد تمثلت مهمتي الأساسية في توجيه هؤلاء القاصرين نحو المسارات التعليمية المناسبة، والعمل على تسجيلهم بالمراكز المختصة، إيمانًا مني بأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل فحسب، بل هي المفتاح الحقيقي لبناء الاستقلالية وتحقيق الاندماج داخل المجتمع الإيطالي.
ومن بين المراكز التي استفدت وتعاونت معها في الآن نفسه، نجد جمعية (Si Può Fare) التي تشتغل في المجال الاجتماعي والتربوي لفائدة الفئات الهشة والمهاجرين، حيث تعتمد على أنشطة تعليمية وتكوينية تهدف إلى تسهيل اندماج الأجانب داخل المجتمع الإيطالي، وتتميز منهجيتها بالاعتماد على التواصل المباشر والمرافقة اليومية.
ومن التجارب الإنسانية المميزة أيضا، تعاملي مع مركز (CivicoZero) الذي يعد فضاء تربويا وإنسانيا موجها بالأساس للقاصرين الأجانب غير المصحوبين. حيث إنه يعتمد على مقاربة شمولية تجمع بين الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم اللغوي من خلال أنشطة فنية وثقافية وترفيهية تساعد الشباب على التعبير عن ذواتهم؛ والتخفيف من آثار الغربة والصدمات التي عاشها بعضهم خلال رحلة الهجرة.
أما جمعية (ASAI) فقد كان لها دور بارز في تعزيز قيم التعايش والحوار بين الثقافات، عبر تقديم دروس اللغة الإيطالية داخل فضاء يسوده التعاون المتبادل. كما تعتمد على التعلم التشاركي وتشجيع الشباب على المشاركة في الأنشطة الجماعية والتطوعية إضافة إلى الصيفية. الأمر الذي يساهم في تعزيز روح المسؤولية والانتماء لديهم.
ولا يمكن إغفال تجربة التعاون مع (Magazzino sul Po) الذي يمثل فضاء ثقافيا وفنيا مفتوحا أمام الشباب من مختلف الجنسيات، حيث تستثمر الأنشطة الثقافية والموسيقية والفنية كوسائل فعالة لتقوية اللغة الإيطالية وبناء جسور التواصل بين المهاجرين والمجتمع المحلي في جو يسوده الانفتاح والتبادل الثقافي.
وختاما، يمكن القول إن هذه التجارب المتعددة، أكدت بشكل لا ريب فيه، أن صناعة الأمل في عالم المعرفة الجديد هو مشروع إنساني متكامل يقوم على الاحترام والإصغاء ومنح الأمل للآخر، فالمهاجر عندما يجد من يحتضنه ويؤمن بقدراته، يصبح أكثر استعدادًا للتعلم والانفتاح وبناء مستقبل أفضل. ومن هنا يمكن القول إن الأمل يظل دائمًا المفتاح الحقيقي للتعلم، وأن الهجرة مهما كانت قاسية، فإنها لا تمنع الإنسان من أن يبدأ من جديد، ويصنع لنفسه مكانا داخل مجتمع يقدّر قيمة الإنسان ويحترم كرامته.





