ذ.عبد القادر الفرساوي
في ضوء الاستعدادات لانطلاق دورة الألعاب الأولمبية في باريس لعام 2024، تعيش العاصمة الفرنسية أيامًا أشبه ما تكون بمشهدٍ درامي مستوحى من قصص الحصار العتيقة. شوارعها التي كانت تكتظ بالحياة والحركة، تحولت الآن إلى مناطق معزولة محاطة بحواجز معدنية ونقاط تفتيش أمنية، وكأن المدينة تنقل لنا رسالة مفادها أن الأمن قد أصبح ضرورة لا مفر منها في ظل التحديات الراهنة.
تستعد فرنسا لمواجهة تهديدات إرهابية تتربص بأرضها في فترة تجمع العالم حولها، مع اقتراب فعاليات الألعاب الأولمبية التي ستضيء باريس وتدعو العالم إليها بين 16 يوليو و11 أغسطس. شبح الإرهاب يلوح في الأفق، مستغلاً المناسبة العالمية لنشر الرعب وتعكير صفو الحدث.

منذ تفعيل الطوق الأمني، أصبحت ضفاف نهر السين، تلك الرقعة الساحرة التي طالما جذبت السائحين والعشاق، مسرحًا لتجربة مريرة تعيشها باريس. عبور الجسور، والتجول على الأقدام، وحتى التنقل بالسيارات، بات أمراً بالغ الصعوبة. لقد حولت الإجراءات الأمنية المدينة إلى ما يشبه المتاهة، حيث يحتاج السكان والزوار على حد سواء إلى تصاريح خاصة مزودة برموز QR للوصول إلى المناطق المغلقة. التهديدات الجديدة من تنظيم “داعش – ولاية خراسان”، الذي ارتكب مجزرة في موسكو مؤخراً، أعادت فتح الجروح القديمة، مما دفع السلطات الفرنسية إلى رفع درجة التأهب الأمني إلى أقصى مستوياتها.
كثير من المواطنين، خصوصا الذين يشتغلون هناك، يعبرون عن معاناتهم ويرون كل هذا فوضى عارمة، لأنهم لم يعودوا يعلمون من أين يمكنهم التحرك، وحتى محطات المترو نصفها مغلق. معاناتهم تعكس واقعًا مريرًا يعيشه الكثيرون ممن اعتادوا على حياة باريس الصاخبة والمليئة بالحركة.
باريس اليوم تعج بآلاف الجنود ورجال الشرطة، المنتشرين في كل زاوية وركن. أكثر من 45 ألف فرد من قوات الأمن وقرابة 20 ألف جندي تم نشرهم في المنطقة، مما جعل المدينة تبدو كقلعة محصنة، استعدادًا لاستقبال الألعاب الأولمبية. رغم عدم وجود تهديد إرهابي محدد، إلا أن الخوف والقلق يسيطران على الأجواء، حيث يرى الكثيرون أن باريس لم تشهد مثل هذا الاستنفار الأمني من قبل.
الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي زار القرية الأولمبية في سان دوني، أكد أن الأمن هو الأولوية القصوى، مشددًا على اتخاذ كافة الإجراءات لضمان سلامة الجميع. ويصرح رئيس الحكومة، غبريال أتال، بأن الإرهاب لا يزال يثقل كاهل فرنسا، ويدعو إلى اليقظة الدائمة لمواجهة هذا “الشر” الذي يسعى لإفساد كل لحظة من الأمان. ورغم الجهود المتواصلة، يعترف الرئيس ماكرون بأن خطر الإرهاب لا يمكن القضاء عليه تماماً.
تجار منطقة السين يعيشون أيامًا صعبة، حيث تسببت الإجراءات الأمنية في تقليل حركة السياح بشكل كبير. الفنادق التي كانت تأمل في تحقيق أرباح طائلة رفعت
أسعارها بشكل مبالغ فيه، مما أدى إلى تراجع الحجوزات، تاركة أصحابها في حيرة وخسائر غير متوقعة.
لم تكن باريس وحدها في هذا الموقف، فقد اتخذت ألمانيا أيضًا خطوات لتعزيز الأمن على حدودها مع فرنسا، وذلك لضمان سلامة الألعاب الأولمبية. أمرت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، بفرض إجراءات رقابية مؤقتة، بالتعاون مع السلطات الفرنسية، وذلك لتوفير مزيد من الأمن قبل وأثناء الحدث الرياضي الكبير. هذه الإجراءات جاءت كجزء من التعاون الأوروبي لضمان عدم حدوث أي تهديدات أمنية تؤثر على سير الألعاب الأولمبية.
وبينما يترقب العالم بشغف انطلاق الألعاب الأولمبية في باريس، يعيش سكان المدينة بين حلم الاحتفال وهواجس الأمان. هذه التدابير الأمنية، رغم ضرورتها، تضع المدينة وسكانها في حالة ترقب وانتظار، على أمل أن يمر الحدث بسلام ويكون علامة فارقة في تاريخ المدينة العريقة. إن تحضيرات باريس للألعاب الأولمبية تعكس مزيجًا من الفخر الوطني والتوتر، مما يجعل هذه الفترة تجربة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر، ولكنها تترك أثراً عميقاً في نفوس الجميع.





