الديمقراطي الأميركي خطوة إلى الخلف

 

 

 

 

ذ.غسان الاستانبولي
كاتب وباحث سياسي سوري

 

 

 

يبدو أن أكثرية الأطراف المهتمة والمؤثرة بالانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، كانت تتعامل بكثير من الواقعية التي أوصلتها إلى قناعة مفادها، أن الوضع الصحي لمرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، لن يساعده بأن يكون سيداً للبيت الأبيض في المرحلة القادمة، وحدهم القابضون على عنان قيادة الحزب كانوا يحلمون بأربع سنوت أخرى، تتصدر صور بايدن فيها أروقة البيت البيضاوي لرئيس نسي أسمه، وربّما نسي لماذا هو موجود في هذا المكان أصلاً، ويجلس بجانب الصورة مُلقّن الكلام، الذي يأس من قدرة الرجل على تلقي الكلام وإعادته بالشكل الصحيح، فيما تتلطّى نائبة الرئيس خلف الصورة، مُمسكة بعصا القيادة، لتقود المشهد بشكل كامل، ثلاث ضربات أيقظت الديمقراطيين من أحلامهم هذه، أولها استطلاعات الرأي التي أظهرت الفارق الواسع بين مرشحهم ومرشح الحزب الجمهوري دولاند ترامب، وقد بلغ هذا الفارق أكثر من سبع نقاط، وذلك بعد الأداء المُخيّب الذي أدّضاه بايدن في مناظرة المرشحين الأخيرة، وثانيها الرصاصة التي جرحت ترامب ولكنها رفعت شعبيته بشكل كبير، وثالثها هو تراجع كبار المانحين الماليين عن تمويل حملة بايدن الانتخابية، حيث يُعبّر المانحون الديمقراطيون عن حالهم بالقول: “نشعر جميعاً بالخيانة لأنهم لم يكونوا صادقين معنا بشأن صحته”.

هنا شعر الديمقراطيون بحجم المأساة الانتخابية، والتي زادها مأساوية ضيق الوقت المتبقي للانتخابات، وأحسّوا أنهم ارتكبوا خطأ فادحاً حين زجوا بحصان خاسر في ساحة السباق، وبالتالي أضاعوا معه الكثير من الجهد والمال وفقدوا الكثير من ثقة الناخب الأميركي، وكأنهم سلّموا الساحة على طبق من تفوّق للمرشح الجمهوري، وربّما كان هذا الشيء هو السبب الرئيسي لكي يدفعوا بنائبة الرئيس كامالا هاريس لتكون مرشحتهم، كونها تتمتع بتجربة كبيرة في الانتخابات وفي الرئاسة، فلعل هذا الشيء يقلل الفارق بين المرشحين.

ما من شكّ أن استبدال بايدن بهاريس انعكس أيضاً على الجمهوريين، الذين سيضطرون لمراجعة استراتيجيتهم الانتخابية التي فصّلوها على مقاس بايدن، ولذلك فهم الآن مضطرون لتغيير المقاس، وبالتالي الخطط، بما يتناسب مع حجم هاريس، الذي يبدو أنه أكبر وأقوى، ولذلك استبقوا ترشيحها ليصوبوا عليها قبل وصولها إلى ساحة السباق، حيث يقول جي دي فانس، وهو المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس: “لقد كان جو بايدن أسوأ رئيس في حياتي، وكانت كامالا هاريس معه في كل خطوة على الطريق، وإنها تتحمل كل هذه الإخفاقات، وقد كذبت لما يقرب من أربع سنوات بشأن قدرة بايدن العقلية”، كذلك فإن دعم هاريس لمنح المهاجرين غير الشرعيين إمكانية الوصول إلى برنامج الرعاية الصحية للمسنين، سيكون مادة خصبة سيستثمرها الديمقراطيون بشكل جيد، كون مُموّل هذا البرنامج هو دافع الضرائب الأميركي، وطبعاً هناك الكثير غيرها من الملفات الداخلية التي تناسب هذه المعركة، مثل ملف سياسات المناخ المُتطرف، والتراجع الاقتصادي، وغيرها من ملفات، تضاف إلى الملفات الخارجية، التي يأتي في مقدمتها عجز إدارة بايدن ـ هاريس عن تحقيق أيّ انجاز ضد روسيا، ولاسيما في حربها مع أوكرانيا، كذلك عجزها أمام الصين، كأحد أهم الملفات الفاشلة، يتبعهما فشلها في ملء الفراغ الذي تركته الدول الأوروبية في إفريقيا، الشيء الذي أتاح للروس مزيداً من التمدد في معظم الدول الإفريقية، ويلي هذه الملفات ملف العجز عن التطبيع بين الدول العربية و”إسرائيل”، أو ما أطلق عليه ترامب خلال ولايته الماضية مصطلح “اتفاقيات أبراهام”، وليتعزز فشلها بإدارة الحرب الإسرائيلية على غزّة، حيث بدت تلك الإدارة بلا حول وبلا قوة في التأثير لا على القيادة في غزّة، ولا على داعميها، ولا حتى على الحكومة الإسرائيلية، بل بالعكس أظهرت الأحداث وكأن “إسرائيل” هي من تمتلك القرار الأميركي وليس العكس، وربما تكون إحدى حسنات انسحاب بايدن من الانتخابات في هذا التوقيت، هي سحب ورقة من يد رئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي سيزور واشنطن، ويلقي خطاباً أمام الكونغرس الأميركي، ويكون الاهتمام به موضع تسابق بين الجمهوريين والديمقراطيين، ولو بقيت هذه الورقة في يده فمن المؤكد أنه كان سيستثـمرها ليطوّب نفسه بصفته الحاكم الأول بأمر الصهيونية العالمية، والقادر على إزاحة رئيس أقوى دولة في العالم، حتى لو كانت صديقة، لأن هذا الرئيس لم يقدّم الجهد المأمول لينتصر كيانهم الصهيوني، وقد تكون هذه الورقة المسحوبة من يد رئيس الحكومة الإسرائيلية هي الصفعة الوحيدة لبايدين على وجه نتنياهو مقابل عشرات الصفعات التي تلقاها منه.

طبعاً هذا لا يعني أن إدراة يرأسها ترامب، فيما لو فاز، ستنجح في هذه الملفات، ولكنها حالياً تستثمرها انتخابياً بشكل ناجح، وتبقي القناعة الراسخة لدى معظم دول وشعوب العالم، بمن فيهم الشعوب الأوروبية، هي أن السيطرة على كلّ الدول والشعوب هي الهدف الأول لكلا الحزبين الأميركيين، وأنهما مُتفقان على هذا الهدف، وإن اختلفا على طريقة الوصول إليه.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...