ذ.عبد القادر الفرساوي
في قلب المملكة المتحدة، حيث يظن العالم أن الديمقراطية تزدهر على أكمل وجه، يظهر الوجه الآخر للحقيقة، وجه مضطرب ومخيف يعكس عجز النظام عن كبح جماح الفوضى. في البلاد التي تُفاخر بتقاليدها العريقة في العدالة والحرية، تُسجل أحداثاً تثير الاستغراب، كأننا نعيش مشهداً من روايات الخيال الأسود.
فمن يدعي عراقة الديمقراطية و أنه مرت 120 سنة على دمقراطيتها، ويظن أن المجتمع البريطاني محصن ضد النزعات العنصرية، يجد نفسه في مواجهة مع الواقع. مع اشتعال الاحتجاجات العنيفة ضد المسلمين والمهاجرين، تحولت شوارع إنجلترا إلى مسرح لمشاهد درامية تتجاوز بكثير تلك التي تُعرض في الأفلام المظلمة.
إن الفوضى التي عمت بعد الهجوم المروع في ساوثبورت، والذي أودى بحياة ثلاث طفلات بريئات، تكشف عن تناقضات مذهلة. في الوقت الذي يُفترض فيه أن تتضافر الجهود لحماية الفئات الضعيفة، نجد أن نيران العنصرية تتسرب إلى قلب النظام، حارقةً القيم التي طالما اعتُبرت منارةً للإصلاح والتقدم.
الظواهر التي نراها اليوم في بريطانيا تشير إلى أنها ليست سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الفشل الذريع. من الهجمات على المساجد ومراكز اللجوء إلى مشاهد الفوضى في المدن، يبدو أن قوى الفاشية قد نجحت في اختراق المجتمع، لتكشف عن هشاشة الهياكل الأمنية التي طالما اعتُبرت حصناً منيعاً.
المفارقة هنا ليست فقط في العنف الموجه ضد الأبرياء، ولكن أيضاً في ردود الفعل الرسمية التي تبدو وكأنها تأتي متأخرة وعاجزة عن تحقيق أي تغيير حقيقي. تصريحات رئيس الوزراء بضرورة تطبيق “كل وزن القانون” على الجناة تبدو في أحسن الأحوال كإعلان عن نوايا حسنَة غير قادرة على مواجهة الواقع القاسي.
ومع اشتداد وطأة العنف، يبدو أن الديمقراطية البريطانية تواجه اختباراً حاسماً. هل ستتمكن من تجاوز هذه المحنة، أم ستظل حبيسة فوضى تتجاوز حدود السيطرة؟ في ظل تصاعد التوترات، يتحتم على القيم الديمقراطية أن تُظهر قوتها الحقيقية، وليس فقط من خلال الكلمات، ولكن من خلال الأفعال التي تُعيد الثقة إلى أولئك الذين يراقبون من بعيد، في انتظار رؤية كيف ستتجاوز بريطانيا هذا الامتحان العسير.





