ذ.عبد القادر الفرساوي
غزة تقاوم بشجاعة الأساطير وتعيد كتابة التاريخ.
على مر العصور، تأتينا قصص الصمود من أروقة الزمن، لنشهد من خلالها كيف يُجابه الإنسان الظلم والإجحاف بالثبات والإصرار. وفي القرآن الكريم، تأتي قصة النبي يوسف عليه السلام كنموذجٍ خالدٍ للثبات أمام الظلم والتآمر، حيث تآمر عليه أقرب الناس إليه، لكن العناية الإلهية كانت دومًا إلى جانبه، تنقذه وتُعلي من شأنه. اليوم، تُعيد غزة هذه القصة بصلابةٍ لا مثيل لها، تُسطر فيها صفحاتٍ جديدةٍ من النضال والمقاومة.
في عالمٍ يبدو فيه الظلم أكثر انتشارًا، نجد غزة تقف كقلعة حصينة، ترفض الاستسلام للذئاب التي تحيط بها من كل حدبٍ وصوب. أولئك الذين ظنوا أن قوتهم ستُخضع هذه الأرض المباركة، يرون الآن كيف أن روح غزة تزداد تألقًا وصلابةً، مُستمدةً من إيمان عميق بقضيتها العادلة وإصرارٍ على البقاء رغم كل الصعاب. ولعل أفضل مثال على ذلك هو المقاومة الفلسطينية، التي تحولت من كفاح شعبي بسيط إلى حركات منظمة تسعى لتحقيق العدالة والحرية لشعبها الأبي.

إن غزة، بشعبها ومقاومتها، تبرهن للعالم أن الحقوق لا تُوهب وإنما تُنتزع. كما أن الحصار المستمر لأكثر من عقد من الزمن، الذي فُرض بهدف كسر الإرادة، لم يزدها إلا ثباتًا وعزيمةً على مواجهة التحديات. ففي كل مرة يحاول الاحتلال أن يفرض واقعه بقوة السلاح، تقابله غزة بإصرارٍ أكبر، لتقول بصوتها الواضح: “لن نركع”.
وسط هذه التحديات، تظل غزة تسطر ملاحم بطولية تُدهش العالم أجمع، عربا و عجماً. رجالها ونساؤها وأطفالها يثبتون أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تُشترى أو تُباع. فهم يعلمون جيدًا أن الصبر هو مفتاح النصر، ويستمدون من قصص الأنبياء والرسل عبرًا ودروسًا تساعدهم على تحمل ما يلاقونه من ظلم وإجحاف.
يستذكر العالم قصة حصار الإسكندر الأكبر لمدينة صور،التي صمدت في وجه قواته لمدة سبعة أشهر، رغم الحصار والتجويع. إن أهل غزة يقتبسون من ذلك الموقف دروسًا ويستلهمون منه العزم والإرادة. فرغم ما يواجهونه من قصفٍ مستمر ودمارٍ شامل، يظل الشعب الغزي محافظًا على وحدته وقوته الداخلية، رافضًا الرضوخ والاستسلام.
منذ عقود، تعيش غزة تحت ضغط القصف و تخريب البنى التحتية والتجويع، لكن روحها تظل عالية، حيث يتشبث سكانها بحقهم في العيش بحرية وكرامة. هؤلاء الذين عاشوا في ظل القهر والتشريد، أضحوا أبطالًا يُدرّسون العالم معنى الصمود. هم من يواجهون العواصف بكل شجاعة، وكأنهم يُعيدون كتابة قصة يوسف عليه السلام، لكن ببطولة فلسطينية.
في ظل هذه الظروف، نجد أن كل يوم يمر يحمل في طياته تحديات جديدة لأهل غزة، الذين يدركون أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل هي معركة على القلوب والعقول. فالاحتلال يسعى لكسر إرادة الشعب عبر الحصار الاقتصادي والتضييق السياسي، لكن غزة ترد برسالة واضحة: “لن تستطيعوا كسر إرادتنا”.
العالم اليوم يُشاهد ما يحدث في غزة بشكل لم يسبق له مثيل، بفضل بعض القنوات بل و وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من كل إنسان مراسلًا يوثق اللحظات والتفاصيل. الصور المؤثرة للأطفال الذين يلعبون تحت الأنقاض، والشيوخ الذين يصلون في المساجد المدمرة، والفتيات اللواتي يتعلمن تحت القصف، كلها مشاهد أصبحت تُحرك الضمير العالمي.
بفضل هذا الوعي المتزايد، نجد دعمًا عالميًا متزايدًا للقضية الفلسطينية من غير الغرب اكثر من العرب، حيث يقف ناشطون من مختلف أنحاء العالم مع أهل غزة، مطالبين بإنهاء الحصار ووقف الاعتداءات. لقد باتت غزة رمزًا للمقاومة العالمية، تُلهم كل من يرفض الظلم في أي مكان.
ما أشبه الليلة بالبارحة، فالإخوة الذين تخلوا عن يوسف بالأمس يشبهون اليوم من تخلوا عن غزة وتركوا شعبها يواجه وحيدًا جبروت الطغاة. ومع ذلك، تُثبت غزة، كما أثبت يوسف من قبل، أن العدالة الإلهية لا بد أن تنتصر، وأن الظلم مهما طال أمده، لا بد أن ينتهي.
رغم الألم والمعاناة، يظل الأمل حاضرًا في نفوس أهل غزة، فهم يعلمون جيدًا أن النصر الحقيقي يأتي بالصبر والمثابرة و الصمود و المقاومة. في كل طفل يولد في غزة، يرون أملًا جديدًا في مستقبل أفضل، حتى مع الدمار والخراب، يواصلون حياتهم ببناءٍ معنوي ونضالي، يزرعون الأمل في نفوسهم ونفوس أبنائهم، مُستلهمين من شجرة الزيتون رمز الصمود والبقاء رغم قسوة الواقع.
بدلاً من البناء والزرع في الأرض المحاصرة، يبني أهل غزة مستقبلهم بالصمود والابتكار، ويزرعون في أطفالهم قيم الحرية و النضال، ويدركون تمامًا أن الحصار مهما طال، لن يثني عزيمتهم ولن يُطفئ نور الحق الذي ينير طريقهم نحو غدٍ أفضل.
إن قصة غزة اليوم هي قصة كل شعب يسعى للحرية،وهي رسالة لكل من يعتقد أن الظلم سيبقى، بأن الحق سيظهر، وأن إرادة الشعوب لا تُقهَر. غزة ستظل دائمًا وأبدًا شاهدة على أن الصمود هو اللغة التي لا تحتاج لترجمة، بل تُقرأ في قلوب كل الأحرار في العالم. وكما عانق يوسف المجد بعد الصبر والمكابدة، فإن غزة سترسم ملامح نصرها من خلال ثباتها وإيمانها بحقها في الحياة.
غزة تُعطينا جميعًا درسًا في الإصرار والثبات، وتُذكرنا بأن الأمل هو البوصلة التي تقودنا نحو مستقبل أكثر إشراقًا، مهما كانت التحديات والصعوبات. إن العالم بحاجة لتعلم الدروس من غزة، ليدرك أن النضال من أجل الحق لا ينتهي، وأن العدالة ستتحقق في نهاية المطاف، لأنها هي السُنة التي لا تتغير على مر العصور.





