في قلب العاصفة: الساحل بين رمال النزاع ورياح التغيير

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في عمق صحراء الساحل المترامية الأطراف، حيث الرمال تتراقص في ريح عاتية وتختلط بأصداء النزاعات، يعيش الإقليم فترة عصيبة من التحولات. يمر الساحل، ذلك الشريط الواسع الذي يربط بين غرب إفريقيا وشرقها، بمرحلة تحول درامية في هياكل أمنه، تتجلى في انسحاب القوى الدولية وزيادة التأثيرات غير الغربية، مما يزيد من عمق الاضطرابات التي تضرب قلب هذه المنطقة المضطربة.

عام 2023 كان نقطة تحول محورية في خريطة الأمن الإقليمي. فقد شهد هذا العام نهاية عهد طويل من التعاون الدولي الموجه لمكافحة الإرهاب في الساحل. مجموعة الساحل G5، التي نشأت كحلم لتحصين المنطقة ضد العنف، توقفت عن الوجود في نهاية العام،معترفًة بفشلها في مواجهة التحديات المتنامية. هذا الفشل لم يكن مفاجئاً، فالأزمات الداخلية والافتقار إلى التمويل قد نالت من بنيتها التحتية، تاركة وراءها فراغاً هائلاً في استراتيجية الأمن الإقليمي. في ذات السياق، تعرضت القوات الفرنسية، التي كانت تمثل القوة الرئيسة في مواجهة الإرهاب، لضغوط متزايدة من الحكومات المحلية والجماعات المسلحة، مما أدى في النهاية إلى مغادرتها بعد عقد من العمليات العسكرية عبر “عملية برخان”. تلك العمليات التي كانت تهدف إلى تدريب القوات المحلية وتعزيز التعاون الإقليمي، باءت بالفشل في تحقيق الاستقرار المنشود، مما أدى إلى تآكل الوجود الفرنسي في المنطقة. كما انحسرت قوة “تاكوبا” التي قادتها فرنسا، والتي كانت تشتمل على نخبة من القوات الأوروبية، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والانتقادات.

وفي ظل هذا التراجع، باتت أرض الساحل خصبة لتنامي العنف المتطرف. وفقًا لتقرير مركز “إفريقيا للدراسات الاستراتيجية”، تصاعدت الهجمات بشكل ملحوظ، ليرتفع عدد الضحايا بأكثر من 60% منذ عام 2021. اليوم، يقف الساحل كنقطة ملتهبة في القارة الإفريقية، إذ يتوقع أن تشهد هذه الأرض المترامية الأطراف حوالي 11,200 وفاة هذا العام بسبب عنف الجماعات المتشددة. وبوركينافاسو، قلب هذا الإقليم، أصبحت الساحة الأكثر دموية، متحملة العبء الأكبر من هذا النزاع. ومع تمدد الفوضى، بات العنف ينتشر كالنار في الهشيم، ممتدًا من مالي وبوركينا فاسو إلى غرب إفريقيا، حيث تعاني دول مثل بنين وتوغو من وطأة الهجمات المتزايدة. أما في الصومال، فإن الوضع لا يقل سوءًا، حيث يستمر النزاع في حصد الأرواح بوتيرة متصاعدة، ليرتفع عدد الضحايا هناك إلى أكثر من ضعف ما كان عليه قبل سنوات قليلة.

ومع ذلك، هناك بصيص من الأمل يظهر في الشمال. ففي وقت يزداد فيه العنف في مناطق كثيرة من القارة، تشهد شمال إفريقيا تراجعًا ملحوظًا في الهجمات والوفيات المرتبطة بالجماعات المتطرفة. مصر، التي كانت لعقود طويلة ساحة للصراع، لم تشهد أي حادثة عنف خلال العام الجاري، بينما تسجل الجزائر وليبيا حالات معدودة فقط، في حين يظل المغرب بمنأى عن هذه الاضطرابات.

أظهر التراجع السريع للمبادرات الغربية، التي كانت تهدف إلى تعزيز الديمقراطية وإصلاح الأنظمة الأمنية، فشل هذه الاستراتيجيات في تحقيق أهدافها. الانتفاضات العسكرية والانقلابات التي شهدتها مالي والنيجر وتشاد، أثبتت أن الأمل في تحقيق الاستقرار من خلال دعم الحكومات المحلية كان بعيد المنال. وبينما يكتسب النفوذ الروسي، عبر مجموعة فاغنر، أرضاً جديدة في الساحل، يتزايد دور الصين بشكل غير مباشر، من خلال المساعدات العسكرية التي تتماشى مع مصالحها الاقتصادية. مع تراجع دور القوى الدولية، أصبح الساحل بؤرة للأنشطة الإرهابية العالمية. تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي استقر في الساحل منذ عام 2008، وتلاه تنظيم الدولة الإسلامية بفرعيه النشطين في المنطقة، ساهموا في تصاعد النشاط الإرهابي. ومع تزايد الهجمات وتوسيع نطاق العمليات، سجل الساحل كمنطقة تشهد أعلى معدلات العنف الإرهابي على مستوى العالم.

بينما يقف العالم على أعتاب مستقبل مجهول، تصبح الحاجة إلى استراتيجيات جديدة ضرورة لا غنى عنها. أوروبا وإسبانيا اليوم أمام لحظة حاسمة، حيث يجب عليهما اتخاذ خطوات جريئة، والتفكير بشكل مختلف لمواجهة هذا المشهد المتغير. وربما يكون هذا هو الوقت المناسب لإعادة النظر في الماضي، والاستفادة من الدروس المستفادة، لتشكيل مسار جديد يتماشى مع تعقيدات الحاضر وتحديات المستقبل. ففي النهاية، تظل القدرة على التكيف هي المفتاح للبقاء في مواجهة هذه الاضطرابات العالمية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...