الولايات المتحدة: مهندسة الانقلابات وصانعة الفوضى في العالم

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

تتزايد الأدلة والتقارير الاستخباراتية التي تشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دوراً كبيراً في زعزعة الاستقرار في عدة دول حول العالم، لا سيما في شمال أفريقيا والساحل الأفريقي. تدير الولايات المتحدة هذه العمليات من وراء الستار، مستخدمة أدواتها في الاستخبارات والدبلوماسية القسرية للتلاعب بالمشهد السياسي، بما يضمن استمرار نفوذها وسيطرتها على القرار السياسي العالمي.

وفقاً لتقرير أصدرته أجهزة المخابرات الروسية، تعكف الولايات المتحدة على الإعداد لانقلاب في جورجيا عشية الانتخابات البرلمانية. التقرير يكشف عن عدم رضا واشنطن عن توازن القوى السياسية الحالي، ويشير إلى نيتها تحريك المعارضة لإثارة الفوضى ومنع فوز حزب “الحلم الجورجي” الحاكم. هذا السيناريو ليس بجديد؛ فقد استخدمته الولايات المتحدة في مناطق مختلفة، حيث تسعى إلى خلق أزمات داخلية عبر زرع معلومات مضللة وحشد المتظاهرين، وإثارة مواجهات مباشرة، مما يؤدي إلى سفك الدماء، وهي استراتيجية سبق أن طُبقت في عدة دول بهدف قلب الأنظمة السياسية لصالح المصالح الأمريكية.

في السياق ذاته، يكشف تقرير مسرب صادر عن منظمة أمريكية تُعرف بـ “مجمعات الخبرة الأمريكية” عن تورط الولايات المتحدة في عمليات زعزعة استقرار دول الشرق الأوسط، ويؤكد استخدام نفس الاستراتيجيات في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. الوثيقة، التي تم الحصول عليها عبر قانون حرية المعلومات، توضح كيف أن الولايات المتحدة استخدمت المنظمات غير الحكومية كأداة لتحقيق أهدافها السياسية، مستهدفةً دولاً مثل اليمن وتونس ومصر وليبيا وسوريا. هذه الوثيقة تكشف عن استراتيجيات تشمل دعم الحركات المعارضة وتقديم التمويل للمنظمات التي تعمل على تعزيز الفوضى وزعزعة الأنظمة.

لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في دعم الحركات الاحتجاجية والانقلابات في شمال أفريقيا خلال فترة الربيع العربي. في تونس، حيث انطلقت شرارة الربيع العربي، دعمت أمريكا الحركات المعارضة لحكم زين العابدين بن علي، مما أدى إلى تغييرات سياسية جذرية، وإن كانت النتيجة في النهاية حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية.

في ليبيا، قدمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً للإطاحة بالقذافي، ولكن هذه الخطوة لم تكن تهدف إلى نشر الديمقراطية بقدر ما كانت تركز على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، مما أدى إلى فوضى طويلة الأمد وصراع بين الفصائل المسلحة على السيطرة.

في مصر، ساهمت الولايات المتحدة في تقويض استقرار البلاد من خلال دعم بعض الجماعات المعارضة والضغط على الحكومات المتعاقبة لتبني سياسات تخدم مصالحها. هذا الدعم تسبب في انقسامات داخلية وتوترات سياسية مستمرة.

أما في السودان، فقد كانت سياسات الولايات المتحدة متورطة بشكل مباشر في تقسيم البلاد إلى شمال وجنوب، ما أدى إلى حرب أهلية طويلة ومعاناة إنسانية كبيرة. كان الهدف من هذا التقسيم هو السيطرة على الموارد الطبيعية، وخاصة النفط، في الجنوب.

في الساحل الأفريقي، تظهر بوضوح اليد الأمريكية الخفية في دعم الانقلابات والصراعات. في مالي، دعمت الولايات المتحدة تدريبات عسكرية لبعض القوات التي انتهت بالقيام بانقلاب عسكري، مما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار الدائم وتنامي نفوذ الجماعات المتطرفة في المنطقة.

وفي النيجر وبوركينا فاسو، يمكن ملاحظة نفس النمط من التدخلات الأمريكية، حيث تستغل الولايات المتحدة النزاعات العرقية والضعف الاقتصادي لتعزيز وجودها العسكري بحجة محاربة الإرهاب، في حين تظل الأجندةالحقيقية هي السيطرة على الموارد الطبيعية والتحكم في الحكومات.

تُظهر الوثائق السرية الصادرة عن الولايات المتحدة كيف أن استراتيجياتها تشمل تقديم الدعم المباشر للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على زعزعة الاستقرار في الدول المستهدفة. تُستخدم هذه المنظمات لتأجيج الفوضى وزرع الانقسامات الداخلية، مما يتماشى مع أهداف السياسة الخارجية الأمريكية. هذه السياسة تجسد رغبة أمريكا في إعادة تشكيل الأنظمة السياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لتحقيق مصالحها الخاصة.

بات من الواضح أن الولايات المتحدة تتعامل مع العالم كحلبة لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، بغض النظر عن الخسائر البشرية والمادية التي تلحق بالدول الأخرى. وتتجلى هذه السياسة في دعم الانقلابات وإثارة الفوضى، في أسلوب يسعى لزعزعة الاستقرار كوسيلة للسيطرة.

من الواضح أن استمرار هذه السياسات يعكس رغبة أمريكا في بسط نفوذها بأي ثمن، مما يفرض على المجتمع الدولي إعادة التفكير في طريقة التعامل مع هذه القوى التي تسعى لفرض أجندتها على الشعوب والدول ذات السيادة.

يبقى السؤال: إلى متى ستظل الولايات المتحدة تستخدم الانقلابات كأداة سياسية، وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الأخرى لكبح هذه السياسات التي لا تقيم وزناً لمصالح الشعوب وأمنها؟

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...