“بعيدًا عن تباريح الروافض وغلوِّ شعائرهم وجفاءِ النواصب وبلادة ضمائرهم”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور محمد المختار الشنقيطي

 

 

بعيدا عن تغريدة #خامنئي، وجدل المولعين بإحياء الأموات وخذلان الأحياء، فإن أعدل الأقوال في #يزيد_بن_معاوية -في رأيي- هو قول الحافظ الذهبي: “كان قويا شجاعا، ذا رأي وحزم، وفطنة وفصاحة، وله شعر جيد. وكان ناصبيا فظا غليظا جِلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة. فمقتَه الناس ولم يُبارَك في عمره.” (الذهبي، سير أعلام النبلاء 4/37-38). أما قول بعض السلف: “لا نحبه ولا نسبه” فإنما يقصدون أنهم لا يلعنونه، لأن لعن المعين باسمه مكروه عند جمهور أهل السنة. والذهبي الذي يسبُّ يزيد هذا السب، فيصفه بأنه “كان ناصبيا فظا غليظا جلفا، يتناول المسكر، ويفعل المنكر”، هو نفسه الذهبي الذي يقول: “لا نحبه ولا نسبه” يقصد: لا نلعنه.

وقال ابن تيمية: “نحن إذا ذُكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال القرآن: (ألا لعنة الله على الظالمين)، ولا نحب أن نلعن أحدا بعينه. وقد لعنه [يعني الحجاجَ] قوم من العلماء، وهذا مذهب يَسُوغ فيه الاجتهاد. لكن ذلك المذهب [الأول] أحب إلينا وأحسن. وأما من قتَل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا” (ابن تيمية، مجموع الفتاوى 4/487). وإنما قصَد الذهبي وابن تيمية هنا التأدب بأدب الإسلام، وتنزيه اللسان عن اللعن والسب والتكفير، وليس دفاعا عن الظلمة كالحجاج ويزيد ومن لف لفهما، كما نجد لدى النواصب المعاصرين في جدالاتهم وردودهم المغالية على غلو الشيعة. علما بأن لعن يزيد باسمه مسألة خلافية بين علماء أهل السنة. وقد ألَّف الحافظ ابن الجوزي كتابا في جواز لعن يزيد. فرغم أن أهل السنة في جمهورهم يتنزهون لعن المعيَّن باسمه، فقد رأى بعضهم -بمن فيهم الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه- أن لا بأس بلعن يزيد اسمًا وتعيينًا، ورجَّح هذا القول عدد من أعلام الحنابلة. قال ابن كثير: “وهو رواية عن أحمد بن حنبل اختارها الخلال، وأبو بكر بن عبد العزيز، والقاضي أبو يعلى، وابنه القاضي أبو الحسن. وانتصر لذلك أبو الفرَج بن الجوزي في مصنَّف مفرد وجوز لعنته” (ابن كثير: البداية والنهاية 8/223). علما بأن ابن تيمية يشكك في ثبوت هذه الرواية عن الإمام أحمد.

وممن قالوا بجواز لعن يزيد التفتازاني: “قال التفتازاني: فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في كفره وإيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه” (ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/277-278). وممن نحوْا هذا النحو أيضا الفقيه الشافعي الكيا الهرَّاس فقد “استفتيَ الكيا الهراسي فيه [في يزيد]، فذكر فصلا واسعا من مخازيه حتى نفدت الورقة، ثم قال: ولو مُددتُ ببياض لمَددتُ العنان في مخازي هذا الرجل. وأشار الغزالي إلى التوقف في شأنه، والتنزه عن لعنه، مع تقبيح فعله” (ابن العماد: شذرات الذهب 1/278).
وقصة الفقيهيْن الحنبلييْن عبد المغيث الحربي وأبي الفرَج بن الجوزي تكشف عن حساسية هذا الموضوع، وعمق الخلاف حوله، فقد “وقع بينه [أي عبد المغيث] وبين ابن الجوزي نفرة بسبب الطعن على يزيد بن معاوية، فإن عبد المغيث كان يمنع من سبِّه [أي لعنه]، وصنف في ذلك مصنفا وأسمَعه، وصنف ابن الجوزي مصنفا [في الرد عليه] وسماه (الرد على المتعصب العنيد المانع من ذمِّ يزيد) وقرئ عليه. ومات الشيخ عبد المغيث وهما متهاجران” (ابن مفلح: المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد 2/ 136)
على أن الجدل الفقهي بين علماء أهل السنة في هذا الموضوع، إنما يتناول من ليسوا بصحابة، مثل الحجاج ويزيد، وأما الصحابة فلا خلاف بين أهل السنة في عدم جواز لعن أي منهم، لخصوص النهي عن سبِّهم في نصوص السنة.. وقد فصَّلتُ القول في هذه المواضيع تفصيلا مؤصَّلا في كتابي: “الخلافات السياسية بين الصحابة”، بعيدًا عن تباريح الروافض وغلوِّ شعائرهم، وجفاءِ النواصب وبلادة ضمائرهم.. والله تعالى أعلم وأحكم.
اللهم انصر أهلنا في #غزة_العزة، واغفر لنا الانشغال عنهم في ساعة العسرة بهذه الأمور..

إيطاليا تلغراف

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...