“الحراكة” بين الحلم الأوروبي وواقع التشرد والضياع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.محمد بحسي
إعلامي مغربي مقيم ببلجيكا

 

 

 

أمس في بروكسل تركت السيارة في منطقة محطة ميدي في مرآب “مجاني”.. في مدخل المرآب يتسابق عليك مجموعة من الشباب كل واحد يحاول أن يجلبك إلى رَكن سيارتك ب”منطقة نفوذه” تماما كما يقع في بعض شواطئنا ..وحين تركن السيارة يتحلق حولك مجموعة من الشباب والمراهقين بعبارات “دور معنا أ عمي الحاج راه حنا غي حراگة” وهذه العبارة تسمعها في كل المناطق التجارية ذات الأغلبية المغربية.
بعد قضاء أغراضي وعودتي الى المرآب وجدت بين السيارة وشجرة كانت بجانبها مجموعة كبيرة من الشباب يظهر أنهم حديثو عهد بالهجرة من خلال حقائب الظهر التي يحملونها ومن خلال ملامحهم التي تصرخ بالقهر والبراءة في نفس الوقت ..بعضهم نائم وبعضهم يداعب هاتفه او يأكل ما جاد به عليه المحسنون .
هؤلاء الشباب أغلبهم أبناء عائلات ونشأوا في جو أسري، ربما فقير ولكنه جو أسري عادي، لم يألفوا التشرد والتسول والإهانة والخوف الدائم من الوقوع في يد الشرطة..
هؤلاء الشباب جاءوا الى أوروبا لهدف واحد هو إنقاذ أنفسهم وإنقاذ عائلاتهم من الفقر والحاجة، والعودة في أقرب وقت إلى الوطن بسيارة وحساب بنكي وملابس وهدايا ” باش يفرح الوالدة ” . ..

هؤلاء الشباب أول ما تطأ أقدامهم أرض أوروبا يصطدمون بواقع أسود لا علاقة له بالأحلام الوردية التي رسموها في مخيلتهم: يصطدم بالخوف من الاعتقال، يصطدم بالنظرة الدونية من إخوانه في الدين واللغة واللون قبل غيرهم لأنه منذ ذلك اليوم وهو يحمل صفة “حراگ” التي ينتهي به الأمر بتقبلها ثم استعمالها ك”أصل تجاري” لاستجداء بعض النقود أو الأكل، يصطدم بالجشع والطمع عند بعض المشغلين الذين يرون فيه يدا عاملة رخيصة وصامتة يمكن تشغيلها ضِعف الساعات القانونية بأقل من نصف الأجرة القانونية والتخلي عنها في أي وقت دون تبعات قانونية. وأخيرا وهذه هي الأخطر، يصطدم بعصابات الاتجار في الممنوعات التي تلقي إليه شباك الربح السريع والوفير. هذه العصابات تستهدف خصوصا الشباب الصغار والمراهقين من البنين والبنات.

وهناك فئة من هؤلاء الشباب لا تستطيع التأقلم مع هذا الواقع الأسود وتلجأ إلى محاولة نسيانه والهروب منه عبر استعمال المسكرات والمخدرات فتتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد الجميع. إذ في سبيل توفير جرعته اليوم يلجأ الشاب إلى جميع الوسائل المحرمة من سرقة وعنف وفساد …
ومن ضمن هؤلاء جميعا هناك مجموعة صغيرة جدا تستطيع تجاوز هذا الواقع و”اصطياد” فرصة من الفرص النادرة للحصول على أوراق الإقامة عبر الزواج (الذي اصبح ايضا معقدا في السنين الأخيرة) أو الحصول على عقد عمل دائم (في بعض الدول فقط) أو بمساعدة أحد أفراد العائلة . وهذه الفئة هي التي يتم تسليط الضوء عليها واتخاذها أسوة وقدوة ودليلا على أن الهجرة السرية حل مضمون للتخلص من البؤس وإنقاذ العائلة منه.

الآن نصل إلى السؤال الذي سيطرحه أي منا بعد قراءة المقال وهو : ما الحل مع هذه الظاهرة؟
أنا شخصيا لست إلا صحفيا يحاول رصد الظاهرة وفهما وإخراجها من منطقة الظل ولكن حين ألبس عباءة الفاعل الجمعوي و”الوسيط” الخيري أستطيع أن أقترح بعض المقترحات:
– أولا، علينا نحن المغاربة المقيمين بشكل قانوني في أوروبا أن نتحمل مسؤوليتنا اتجاه هؤلاء الشباب الذين هم ابناؤنا وبناتنا بإنشاء خلايا للتواصل معهم من أجل معرفة أعدادهم والتعرف على احتياجاتهم ثم النظر في السبل التي بامكاننا مساعدتهم بتنسيق مع السلطات البلجيكية لتكون تحركاتنا قانونية. حيث يمكن ان نوفر مآوي مؤقتة خلال فصل الشتاء وتقديم وجبات أكل منتظمة مثلا وتنظيم دورات تكوينية في اللغة وفي قوانين الانذماج وغيرها…
ثانيا، على التمثيليات الدبلوماسية المغربية تحمل مسؤوليتها اتجاه هذه الفئة من المواطنين المغاربة بتفعيل المصالح الاجتماعية في السفارات والقنصليات ومكاتب مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج.
هذا الأمر يتطلب تنسيقا مع جمعيات المجتمع المدني الموجودة فعلا على الأرض والتي لها تجربة معتبرة في التعامل مع هذه الفئة من المغاربة. والتنسيق أيضا مع المؤسسات الرسمية والمدنية الأوروبية العاملة في المجال.

كما ان على هذه التمثيليات الدبلوماسية أن تسهل الاجراءات الادارية لهؤلاء المهاجرين خاصة لاستخراج أو تجديد وثائقهم الإدارية وتسهيل عملية نقل الجثامين والتكفل بجميع مصاريفها بالنسبة للمغاربة الذين يعيشون في وضعية غير قانونية أو في وضعية هشاشة.
ثالثا، على وسائل الإعلام المغربية وصفحات وقنوات المغاربة في وسائل التواصل الاجتماعي أن تعرف بهذه الفئة وظروفها واحتياجاتها مع التذكير بمخاطر الهجرة السرية وأثرها السيء على الأفراد والمجتمعات وضرورة إيجاد حلول بديلة في أرض الوطن والقضاء على اسبابها ومسبباتها بخلق فرص الشغل ومحاربة الفساد وتحقيق كرامة العيش لكل المواطنين ..
وتبقى كل هذه النقط مجرد اقتراحات لا تسمن ولا تغني من جوع في غياب إرادة سياسية كفيلة بتغيير الأوضاع في الداخل .

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...