*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
* بين سطوة النص وسلطان العقل: فضيلة المراجعة وشجاعة وجرأة الاجتهاد
في تقديري المتواضع كرجل قانون خبرت النصوص القانونيّة على المستوى النظري والتطبيقي الفعلي، ليس السيد عبد اللطيف وهبي رجلاً مُثيراً للجدل؛ بقدر ما هو رجلٌ مُثيرٌ للفكر، يستفزّ العقل القانوني والحقوقي إلى التأمل، ويدفعه إلى إعادة النظر في كثير من المسلّمات القانونيّة والسياسيّة، وإن كان خصومه يرونه على غير ذلك، وذلك شأنهم.
وحين أتحدث عن عبد اللطيف وهبي، فإنني أتحدث عن الأستاذ المحامي ورجل العلم والقانون، بما راكمه من معرفة رصينة وخبرة مهنيّة طويلة وتجربة عملية ثريّة؛
أمّا عبد اللطيف وهبي رجل السياسة، فذلك شأن آخر لا يعنيني في هذا المقام، ولا يدخل ضمن زاوية التقدير التي أعبر عنها هنا.
وما يدفعني إلى احترام هذا الرجل هو ما يتحلى به من جرأة في الطرح، وشجاعة في الموقف، وقوة في الحضور، وكفاءة مهنيّة راسخة، إلى جانب إلمام واسع بمختلف القضايا القانونيّة والفكريّة.
وهي خصال قلّما تجتمع في شخص واحد، وتجعل التقدير والاعتبار والاحترام له سابقاً على الاتفاق معه أو الاختلاف حوله.
لقد نجح الرجل في الجمع بين التأصيل النظري والممارسة العمليّة؛ فلم يكتفِ بالتجوال في فضاءات التنظير الأكاديمي أو الغوص في التجريدات القانونيّة، بل خبر مهنة المحاماة وخاض تفاصيلها الدقيقة، وعايش الواقع القضائي والمهني بكل تعقيداته، فاستوعب القاعدة القانونيّة من خلال النص ومن خلال الممارسة معاً، وامتلك بذلك فهماً عميقاً للقانون في بعديه النظري والتطبيقي.
ويكفي الرجل فخراً أنه أسهم في كسر الهالة التي أُحيطت ببعض النصوص القانونيّة الوافدة والمستعارة من تجارب تشريعيّة أجنبيّة، حتى خُيّل إلى بعض المدافعين عنها أنها نصوص فوق النقد، عصية على المراجعة، لا يطالها تعديل ولا تصحيح ولا نسخ ولا إلغاء، وكأنها بلغت من الكمال مبلغاً يحول دون مساءلتها أو إعادة النظر فيها.
ومن أبرز تجليات ذلك ما يتصل بالوشايات المغرضة، والشكايات الكيديّة، وحملات التشهير والمسّ بالأعراض والاعتداء على السمعة والشرف والاعتبار الاجتماعي للأفراد عبر منصات التواصل الاجتماعي؛
تلك الممارسات التي تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى أدوات للإيذاء المعنوي والاغتيال الرمزي للأشخاص، لا تقف آثارها عند الضحية وحدها، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي والمهني، مخلفةً أضراراً قد تفوق في قسوتها كثيراً من الأضرار المادية.
فجاءت الدعوة إلى مراجعة بعض المقتضيات القانونيّة ذات الصلة بهذا المجال تعبيراً عن وعيٍ متقدم بأن حماية الحقوق والحريات لا تنفصل عن حماية الكرامة الإنسانيّة وصيانة السمعة والاعتبار، وأن القانون مطالب، على الدوام، بأن يواكب التحولات العميقة التي أحدثها الفضاء الرقمي في أنماط التواصل والتأثير والإضرار بالغير.
فجاء، من موقع الممارس الخبير والحقوقي المتمرس، ليؤكد حقيقة جوهريّة مفادها أن قيمة القانون لا تكمن في جمود نصوصه، وإنما في قابليتها للتطور واستجابتها لمقتضيات العدالة وتحولات المجتمع ومتطلبات الواقع.
فالتشريع الحي ليس ذلك الذي يقاوم التغيير، بل الذي يملك القدرة على مراجعته لنفسه كلما كشفت التجربة العملية عن أوجه قصور أو مواطن خلل.
ومن ثم، فإن النصوص القانونيّة ليست مقدساتٍ تشريعيّة تُحصَّن من النقد، ولا أوثاناً فكريّة تُعبد خارج الزمان والمكان، وإنما هي اجتهادات بشريّة تخضع، بطبيعتها، للتقويم والمراجعة والتعديل والتطوير، بل وللإلغاء والاستبدال متى ثبت أن مصلحة المجتمع والعدالة يقتضيان ذلك.
فالقانون، في نهاية المطاف، ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لخدمة الإنسان وتحقيق الإنصاف وصيانة الحقوق والحريات.
* ملاحظة:
من أراد أن يقرأ هذه الكلمات، فليقرأها بعين الإنصاف لا بعين الخصومة، وبعقل الباحث عن الحقيقة لا بعقل المتربص بتأكيد أحكامه المسبقة.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





