اميرمحمداسماعيلي
كاتب وباحث وطالب دكتوراه في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية
التاريخ يعيد نفسه. قبل مئة عام، كانت العديد من الدول العربية التي نعرفها اليوم جزءًا من الخلافة العثمانية، وهي إمبراطورية متعددة الأعراق والثقافات تتمحور حول إسطنبول. أسفرت سلسلة معقدة ومتعددة الطبقات من الأحداث في العقد الثاني من القرن العشرين عن انهيار الإمبراطورية العثمانية وظهور دول قومية جديدة عبر غرب آسيا. من بين العوامل التي ساهمت في تشكيل هذا المخطط الجديد، لعبت القوى التدخلية، وخاصة فرنسا وبريطانيا، دورًا محوريًا، وسرعان ما انتقل هذا الدور إلى الولايات المتحدة.
مع بوادر أفول رجل أوروبا المريض، سارعت بريطانيا إلى رسم الخطط ووضع الأسس لتفكيك الإمبراطورية العثمانية، ساعيةً إلى بسط نفوذها في غرب آسيا. إحدى استراتيجيات بريطانيا لتحريض الشعوب العربية ضد الإمبراطورية العثمانية كانت حقن الإيديولوجية القومية، وهو أسلوب كان بحاجة إلى شرعية داخلية ليتمكن من الترسخ والانتشار. دخل الشريف حسين بن علي، شريف مكة وأمير الحجاز، في اتفاق مع الإمبراطورية البريطانية للقيام ضد الباب العالي (مقر الخلافة العثمانية في إسطنبول). في المقابل، تعهّدت الحكومة البريطانية بتزويد قوات الشريف حسين بالدعم المالي والأسلحة لمحاربة الجيش العثماني. علاوة على ذلك، وعدته لندن بأنه بعد انتهاء الحرب سيُمنح عرش شبه الجزيرة العربية، بالإضافة إلى العراق والشامات.
في غضون شهر، تمكن الثوار العرب بقيادة الشريف حسين من السيطرة على عدة مدن في الحجاز، بمساعدة الجيش والبحرية الملكية البريطانية. خلال الحرب العالمية الأولى في عامي 1917 و1918، ومع تقدم البريطانيين في فلسطين والعراق والسيطرة على مدن مثل القدس وبغداد، ساهم الشريف حسين في مساعدة بريطانيا بالسيطرة على مدينتي أمان والعقبة. بقيت أغلبية الشعب العربي على الحياد خلال هذا الصراع. كان لمخطط الشريف حسين لتأسيس مملكته العربية فرصة كبيرة للنجاح، لولا أن بريطانيا عقدت اتفاقيات سرية مع أطراف أخرى.
قبل فترة من انطلاق الثورة العربية، كانت بريطانيا وفرنسا قد وضعتا خططًا سرية أخرى فيما بينهما. حتى عام 1917، كانت بريطانيا قد أبرمت ثلاث اتفاقيات مع ثلاث مجموعات مختلفة، واعدةً بثلاثة مستقبلات سياسية مختلفة للعالم العربي. من جهة، وُعِد الشريف حسين بمملكة عربية. وفقًا لاتفاقية سايكس-بيكو، كان الفرنسيون والبريطانيون قد وزعوا مناطق غرب آسيا فيما بينهم. كانت إسرائيل تتوقع أن تُعطى لها فلسطين وفقًا لإعلان بلفور. لكن الشريف حسين، الذي قام ضد العثمانيين بوعود البريطانيين وبمشورة إدوارد لورنس، وكان من العوامل الرئيسية في تفككهم، وجد نفسه بعد انكشاف اتفاقية سايكس-بيكو وإدراكه للخداع، مضطرًا للقبول بمنطقة الحجاز فقط كملكه بدلاً من المملكة العربية الموحدة التي كان يتطلع لقيادتها. لكن حكمه في الحجاز تراجع بسرعة، وفي النهاية انهار تحت وطأة صعود قوة آل سعود، الذين سيطروا على شرق شبه الجزيرة العربية بدعم من بريطانيا. بعد فترة وجيزة، قامت بريطانيا نفسها بنشر جميع الوثائق التي تكشف تعاون الشريف حسين لتفكيك الخلافة العثمانية.
كان هذا جزءًا من الإجابة عن كيفية بدء المشكلة في غرب آسيا وأين يكمن الخطأ. قصة الثقة بوعود لن تتحقق أبدًا. التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى اليوم. بعد عام من حرب على غزة، ما زالت الدول العائلية العربية تضع ثقتها في وعود الغرب. نشأت لدى الجيل الجديد من الحكام العرب رؤية أن التطبيع مع إسرائيل سيؤدي إلى حل دائم لقضية فلسطين، مما يتيح لهذه الدول تثبيت سلطتها والسير نحو التنمية في ظل الاستقرار. قرارات الجيل الجديد من الحكام العرب هي تكرار لنفس الأخطاء في الثقة بالغرب التي ارتكبها الشريف حسين. يخبرنا تاريخ غرب آسيا الحديث أن التخلي عن القضية الفلسطينية لن يكون نهاية لعدم الاستقرار، بل سيفتح المجال لعواصف من الاضطرابات الأشد في المنطقة.
بغض النظر عن الثقة التي يمكن أن تُمنح لالتزام الغرب بوعوده، وهي مسألة يمكن للتاريخ أن يحكم عليها مرة أخرى، يجب على الحكومات العربية والقوى الدولية أن تجيب على هذا السؤال الأساسي: هل يمكن دمج إسرائيل في المجتمع الدولي؟ منذ انضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة في عام 1949، لم تقم بتحديد حدودها بشكل واضح وصريح. بالإضافة إلى ذلك، تُعد إسرائيل دولة ذات أيديولوجية توسعية جعلت التوسع جزءًا أساسيًا من طبيعتها. يكفي فقط إلقاء نظرة على توسع حدود إسرائيل منذ تأسيسها. لا يمكن التغاضي عن التهديدات النووية التي تشكلها إسرائيل. إذا لم تستطع فظائع اليوم وحكم محكمة العدل الدولية بشأن الإبادة الجماعية والإدانات الدولية الواسعة إيقاف إسرائيل، فلا يمكن بالتأكيد تقديم أي ضمانات لمنع توسعها المستقبلي تجاه الدول الأخرى بدعم كامل من الغرب. ما يحدث في فلسطين اليوم قد يكون مصير الآخرين غدًا. مَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عَنْهُ!





