نجوى العصار
كنت قد تركت الكتابة منذ فترة طويلة لأنني لم أعد أؤمن بأن هناك من يكترث بالعالم لما يحدث لنا، إلا أنه منذ فترة تلح على أفكار في عقلي تراودني بأن أترجمها في كلمات وسطور. أعذروني لعدم التركيز والترتيب في أفكاري، فالحالة التي نعيشها اليوم هي الفوضى العارمة.
26 إبريل 2024، التاريخ الذي خرجت فيه من غزة مع زوجي وأولادي، ليس كراهية في غزة، ولكن حباَ في الحياة وبحثا عن مستقبل أفضل لأولادي بعد أن علنينا الأمرين منذ السابع من أكتوبر.
لمن يتهمون من خرج من غزة بالمنبطحين والمتخاذلين، نحن لم نخن غزة، ولكن أعيتنا السبل، وأردنا أن ننجو من شعور العجز والموت والقهر الذي يلاحق ليس فقط أرواحنا، ولكن كل ما يربطنا في هذه الحياة، يلاحق شعورنا وأحلامنا وذكرياتنا وأولادنا وأيامنا.
لم يكن ذلك الخيار السهل فأنا أهرب من الموت إلى المجهول، إلي حياة جديدة ليس لي فيها أي شيء، لا أصدقاء، ولا جيران، ولا ذكريات، ولا ماضي، ولا أعلم إن كان هناك حاضر.
تركت بيتي الجميل الذي استغرق بناؤه سنوات وسنوات، أحببت كل ركن فيه على بساطته، أحببت شجرة الزيتون العتيقة التي كنت أشعر بأنها أرواح متجذرة في الأرض تأبى الخنوع. أحببت شجرتي البلح التي أهدانا إياها حماي الله يرحمه، أحببت شجرة الجوافة، وأحببت أكثر محاولاتي المتكررة لزرع أصناف مختلفة من الورود والريحان والصبار.
كانت أجمل صباحاتي في أيام الجمعة والسبت حين كنت أستيقظ صباحا لأتفقد حديقتي المتواضعة، أعد كوب القهوة السريعة، وأجلس تحت شجرة الزيتون، كم كنت أشعر بأنني أمتلك الدنيا وما فيها.
هل تصدقون بأنني كنت أتحدث إلي شجرة الزيتون، وأشكرها دائما على صبرها وكرمها حينما تنتج لنا محصولها الرائع من حبات الزيتون السمراء والخضراء. هل تعلمون أنني كنت أشكر شجرة البلح على إنتاجها لحبات البلح الصغيرة، وأنتظر بصبر نافد نُضْجها لأقطف بضع حبات يوميا، وأنا في طريقي إلى العمل. نعم كنت أتحدث إليهما يوميا، وأتحسس أوراقهما، وأشعر بأنها تسمعني وتسعد بكلماتي.
21 نوفمبر 2024، التاريخ الذي غير كل تلك المشاعر، فأنا أفتقد كل شيء في بيتي، ولكنه أصبح يحمل ذكريات مخيفة لا أريد أن أتذكرها.
في الساعات الأولى من ذلك الصباح، وفي تمام الساعة الرابعة والنصف فجرا، استيقظنا جميعا، وكأننا في كابوس مخيف، استيقظنا على صوت تهشم الزجاج وتطايره في كل مكان، كان هناك غيمة كثيفة من الغبار الثقيل المحمل بالحجارة والبارود، رائحة تزكم الأنفاس. لم نعلم ماذا حدث بالضبط، كان يهمنا فقط أن نتفقد من في البيت حيث كانت هناك ثلاث عائلات، والكثير من الأطفال. صراخ وفوضى والكثير من الدخان، حاولنا فتح الباب لكنه كان عالقا بالكثير من الركام الذي سقط من منزل الجيران الذي اُسْتُهْدِف.
في غمضة عين أصبح ذلك المنزل الكبير ذي الطوابق الثلاثة ركاما على رؤوس ساكنيه.
هل تعلمون بأنه في تلك اللحظة قتل 50 شخصا يمثلون أربعة أجيال كانوا آمنتين ونائمين في ذلك البيت أصغرهم لم تتعد الأسبوعين وأكبرهم كان في الثمانين من العمر. هل تعلمون بأنني بعدها كرهت الخروج إلى حديقتي لأن المشهد تغير من منزل جميل بأشجار رائعة وأزهار كثيرة إلى ركام وحطام وموتى.
هل تعلمون أن شجرة الزيتون في حديقتي فقدت نصفها من شدة الانفجار، وبأنني كرهت النظر إليها بعد ذلك، وتوقفت عن الحديث إليها.
هل تعلمون أن رائحة الهواء المحملة بزهر الليمون تغيرت، وأصبحت محملة برائحة الجثث التي بقيت تحت الركام لأكثر من أسبوع حتى تحللت، وانتشرت رائحتها في المكان.
هل تعلمون كم كان ذلك مؤلما، كم أن شعور العجز والضعف والقهر مميت وثقيل.
تحول المشهد لذلك المنزل الكبير الجميل إلي مشهد لا يحمل إلا الموت والحزن والفقد فكرهت أن أخرج إلى حديقتي. كرهت منزلي ، كرهت الشارع، كرهت كل شيئ فآثرت أن أترك المكان.





