إسلام على المقاس الأوروبي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

أُعلن قبل أيام في ألمانيا إنشاء أوّل كلّية مستقلّة لـ”اللاهوت الإسلامي” تحت مظلّة جامعة حكومية، على أن يبدأ عملها السنة الدراسية المقبلة. وهو الحدث الأول من نوعه في أوروبا، إذ كانت كلّيات الدراسات الإسلامية تنتمي إلى كلّيات تجمع الدراسات الشرقية كاملةً. وتحاول الكلّية، بحسب بيانها، التوفيق بين الإيمان والديمقراطية، وهو ربط مباشر بين الدين والبُعد السياسي له، بينما يفترض الدين “المستنير” الذي ترفع شعاره، بحسب أجيال من المفكّرين الذين نظّروا للديمقراطية، فصلاً بين الدين والسياسة. وبالتالي، هو شعار سياسي ينفي تهمة “اللاديمقراطية” عن الإسلام، على افتراض أنّه ضدها، وأنّه لصيق بالإرغام والإجبار، وتأتي الكلّية لتفكّ هذا الربط بسحر العصا الأوروبية المستنيرة.

فوق هذا، يؤكّد أصحاب الفكرة سعيَهم إلى الابتعاد عن “التطرّف ومعاداة السامية”، في نقطة أخرى تسيء بها إلى الإسلام، وتقدّم خطاباً عنصرياً تتبنّاه جهات بعينها، ترمي تهمة معاداة السامية في وجه الجميع، للدفاع عن سلوك كيان إجرامي. وهو مؤشّر على أنّ الكلّية ستقوم على أركان يشكّل التطبيع جزءاً أساسياً منها، وهي تهم لا علمية تليق بـ”مانيفيستو” جمعية مدنية لا مؤسّسة أكاديمية. يضيف البيان أنّ المؤسّسة ستقطع مع أشكال العنف القائم على “تبرير ديني”. إنها زلّة أخرى تربط الإسلام بالعنف.

الكلّية التي ستنبثق عن “مركز اللاهوت الإسلامي” (ZIT) القائم في جامعة مونستر منذ 2012، ستتحوّل إلى كلّية مستقلّة، ستؤهّل “كوادر تمثّل إسلاماً مستنيراً”، بدل الموجود، وهؤلاء سيقومون بنشره عبر وسائل التواصل. هذا تجنيد لا تعليم، فأوّل أهداف هذا الأخير هو التكوين والمهن التي يمكن للخرّيجين أداؤها بشهاداتهم، وليس التنوير في وسائل التواصل بوصفه مهنةً، بحسب آخر ما أخرجته الحياة سريعة الأنفاس. ويعتبر مهنّد خورشيد (مدير مركز اللاهوت الإسلامي) أنّ المشروع الذي تأتي الكلّية معه خطوةٌ نحو اعتراف ما بالمسلمين. وهذا سعي مدني سياسي يحاول تجاوز لا ديمقراطية الدولة الألمانية تجاه دين يعتنقه ملايين من مواطنيها، مع ذلك يقول إنّها مقاربة علمية، بينما تشير لغة البيان إلى إعادة صياغة دين إسلامي في نسخة أوروبية حداثية تراعي القيم الديقراطية، وهذه نظرة غير ديمقراطية تعيد صياغة الدين وفق توجّه الدولة لا وفق اختيارات الناس.

الدين المُبشَّر به دين “حلال” حسب الدولة الألمانية، ينبذ ما تنبذه ويعتنق ما تعتنقه. طيّب، لماذا نسمّيه “ديناً” بالضرورة؟ فهذا بحسب الفهم العامّ له مذهب روحي يعتنقه الناس كما يريدون، وهم الذين يجب أن يغيّروا سلوكهم معه، وسلوكهم له أسباب اجتماعية في الأساس، ونظرة الناس إليه هي التي عليها التغيير، وذلك بدعم الدولة للفئات التي ترفض ما يرفضه أيّ دين، وهو العنف، ولا داعي لإنشاء كلّية على مقاس أوروبي سياسي أكثر منه أيّ شيء آخر.

لمزيد من تأكيد البُعد السياسي، أُعلن أيضاً إنشاء مجلس استشاري يضمّ منظّمات إسلامية تمثّل المسلمين في ألمانيا. هذه محاولة لإعادة تكوين الإسلام وفق الديمقراطية الغربية التي تقوم على فصل كامل مع المؤسّسات الدينية على أساس دين الناس للناس. مع العلم أنّ هذه الدول أهملت المسجد مطوّلاً وسمحت بممارسة بعض الخطباء خطاباً عنيفاً مدّةً طويلة. ولم تُوقف هؤلاء الذين لم يساهموا في نشر التطرّف فقط، بل خلّفوا المزيد من التمزّق الهُويّاتي لدى الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين. كان من الممكن تقبّل الخطاب لو كان قادماً من معهد مدني له همّ اجتماعي، لكن إنشاء كلّية أكاديمية أمر يتناقض كلّياً، غير أنّه أيضاً حتى في إعلان هذا النوع من المعاهد، يجب الابتعاد عن ترويج الاتهامات المتطرّفة للدين. ولاقى الإعلان ترحيباً من الأوساط السياسية لأنّه “خطوة نحو سياسة دينية واعتراف بالإسلام، وفي الوقت نفسه، هو فتح آفاق جديدة للبحث العلمي”.

الهدف الأساس من إنشاء الكليّة، بحسب أهلها، هو تقليل الاعتماد على التأثيرات الخارجية؛ أي خلق إسلام محلّي على النموذج الغربي. قد تنال الكلّية إقبالاً من بعضهم لكنّ الأوساط المسلمة ربّما سترفض هذه النسخة الدينية الغربية للإسلام، لأنّها لا تثق بهذه الدول، وليس هذا غريباً عن الواقع، فالإسلام المستنير، الذي يبدأ بالإعلان عن معاداة السامية، قد يشمل غضّ النظر عن جرائم إسرائيل كلّياً.

الكلّية الجديدة ليست علميةً محايدةً، كما يفترض بالمؤسّسات التعليمية، وليست حركةً مدنيةً صرفةً تتّسع لشعارات سياسية. ولا يبدو أنّها قد تنال النجاح الذي تتوقّعه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...