ذ.عبد القادر الفرساوي
في السادس من شهر نونبر 2023، أعلن المغرب عن مبادرة جديدة تهدف إلى دعم بلدان الساحل في الوصول إلى المحيط الأطلسي، مع التركيز بشكل خاص على دول مثل مالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو. تسعى هذه المبادرة إلى تعزيز دور المغرب في منطقة الساحل والصحراء، خاصة بعد تراجع فرص انضمامه للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS). ومن خلال الاستفادة من التوترات السياسية التي تشهدها المنطقة، يأمل المغرب في تشكيل تكتل إقليمي بديل يضم نحو 85 مليون نسمة.
تعتبر المبادرة الأطلسية جزءا من استراتيجية المغرب للتأثير في الشأن الإقليمي وكبح جماح الجزائر، التي تحاول عزل المغرب عبر إقامة اتحاد مغاربي مصغر يشمل تونس وليبيا والجزائر فقط. تنظر الجزائر بقلق إلى مشروع الربط بين منطقة الساحل والمحيط الأطلسي، خاصة للدول المجاورة التي اعتبرتها تاريخيا جزءا من نفوذها. في المقابل، يهدف المغرب إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة في ظل الظروف الحالية، التي تشهد تفشي الانقلابات بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
تهدف المبادرة المغربية إلى المساهمة في تعزيز الاستقرار السياسي في المنطقة، مما قد يسهم في تحسين علاقات المغرب مع دول مثل تشاد ومالي وبوركينافاسو، والتي كانت تعاني من تراجع في التعاون الثنائي. وفي سياق ذلك، يأمل المغرب في التصدي للتحديات الأمنية المشتركة، مثل محاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية، وذلك من خلال برامج تدريب قوات الأمن وتطوير طرق التواصل بين الأئمة والزوايا الصوفية التي تلعب دورا هاما في القرار السياسي والاقتصادي.
من الجانب الاقتصادي، يسعى المغرب إلى تعزيز شراكاته مع دول الساحل، حيث تُعتبر هذه الدول بوابة له إلى بقية القارة الإفريقية. إذ شهدت صادراته إلى إفريقيا نموا ملحوظا من 300 مليون دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار بين عامي 2004 و2024، مما يدل على نجاح استثماراته في المنطقة. يسعى المغرب إلى توسيع استثماراته في مجالات حيوية مثل الاتصالات وصناعة الإسمنت والطاقة المتجددة، بما يساهم في دعم الاقتصاد المحلي للدول الشريكة.
ورغم الطموحات المغربية، تواجه المبادرة تحديات عدة. فدول مثل مالي وبوركينافاسو تخشى من تداعيات تحسين علاقات المغرب مع فرنسا على أمنها الداخلي. كما أن غياب بعض الدول المؤثرة مثل السنغال، التي كانت دائما حليفا تاريخيا للمغرب، قد يؤثر سلبا على نجاح المبادرة. وبالإضافة إلى ذلك، تواجه المبادرة عقبات مالية بسبب المسافات الطويلة بين الدول المعنية وأقرب الموانئ الأطلسية، فضلا عن الأوضاع الأمنية غير المستقرة في المنطقة.
تشكل المبادرة الأطلسية جزءا من استراتيجية المغرب لتوسيع نفوذه في الساحة الدولية وتعزيز شراكته مع الدول الأوروبية، في ظل المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى في
المنطقة. إذ يرى البعض أن هذه المبادرة قد تعزز من موقف المغرب في إطار تأمين مصالح الغرب، خاصة في سياق نقل الغاز الإفريقي إلى أوروبا. هذا التوجه يعكس أهمية المغرب كحليف استراتيجي في محيط جيوسياسي معقد.
إن المبادرة الأطلسية تمثل خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز دور المغرب في منطقة الساحل والصحراء، وتوفير فرص جديدة للتعاون والتنمية. ورغم التحديات التي قد تواجهها، فإنها تفتح آفاقا جديدة لمستقبل المغرب في العلاقات الإقليمية والدولية، مما قد يسهم في تعزيز استقراره وأمنه في ظل بيئة مليئة بالتغيرات والتحديات.





