«حرب القيامة» بقيادة نتنياهو: خطوة نحو الفوضى والدمار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د.جيرار ديب
كاتب لبناني

 

طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماع للحكومة تغيير اسم عملية «السيوف الحديدية» إلى «حرب القيامة»، موضحا أن «هذه الحرب وجودية والهجوم المضاد ضروري لمستقبل البلاد». وعقدت الحكومة الإسرائيلية، اجتماعا خاصا لمناسبة الذكرى السنوية لأحداث 7 أكتوبر الماضي، وقال نتنياهو في بداية الاجتماع إنه «اجتماع حداد خاص».
لا أحد ينكر إن عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها حركة حماس على مستوطنات غلاف غزة، كانت الأشد والأقسى على الشعب اليهودي منذ المحرقة. فعندما أطلق نتنياهو اسم «السيوف الحديدية»، كانت إسرائيل تعاني من نكسة حقيقية قامت بها حركة حماس، ردا على جرائم العدو المتكررة والمستمرة منذ تأسيس هذا الكيان عام 1948 إلى اليوم. اللافت أن هذا الكيان لم يغّير من نظرته تجاه الشعب الفلسطيني، حيث إلى الآن لم يزل يرفض إعطاء هذا الشعب دولة له، مخالفا الرأي العالمي الذي يطالب بحل الدولتين.
مرّ عام على طوفان الأقصى، ولم تزل إسرائيل مستمرة في حربها التي بدأتها على حركة حماس في قطاع غزة، ثم قامت بتوسيعها إلى جبهات جديدة، منها لبنان وقد لا تنتهي بطهران. لقد أدخلت حكومة نتنياهو منطقة الشرق الأوسط في الفوضى، حيث بات الانزلاق نحو حرب كبرى مرشحا، بل فرضية مطروحة بقوة، طالما أن لا رادع لنتنياهو على جرائمه، والإدارة الأمريكية لم تزل حاضنة ومستمرة على موقفها حسبما أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن، من أنّ أمريكا إلى جانب أمن إسرائيل.

لقد حدد نتنياهو خطوطه العريضة للمرحلة المقبلة، وأطلق على حربه التي يخوضها جيشه «حرب القيامة»، بعدما عمد إلى تغيير اسمها، في دلالة على أنه يعمل إلى تجديدها لسنة إضافية، وربما لأكثر، لاسيما وإنها حرب وجود لكيانية إسرائيل، بعدما شعرت بأنّ محور الممانعة لم يزل متماسكا، لا بل جاهزا لأي سيناريو كما قال نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في رسالته المتلفزة الثلاثاء 8 أكتوبر الجاري وتزامن هذا مع ضرب حيفا بمئات من الصواريخ. لا يتوانى نتنياهو ذو الخلفية اليمينية المتطرفة في إسرائيل، من إضفاء الطابع الديني على حربه الحالية، كي ينال تفويضًا شرعيا من بيئته الحاضنة، بل من مركز القرار في واشنطن، حيث اللوبي الصهيوني متحكم فيه، وحيث إن بايدن أعلن بعد أيام من الحرب الإسرائيلية على غزة بأنّه «صهيوني»، وذلك لرفع مستوى الدعم الأمريكي على الصعد كافة، لاسيما العسكرية والسياسية. فيوم القيامة في اليهودية ترجمة لمصطلح «يوم هدّين» وهو مصطلح عبري يعني «اليوم الذي سيحاسب فيه الإله كل البشر وينصر الشعب اليهودي». تعّمد نتنياهو إطلاق مصطلحات على رأسها «يوم القيامة»، ومصطلح حرب مع «محور الشر»، والأهم وضع الحرب في إطار الحرب الوجودية بالنسبة للكيان، ففي ذلك تحرر لإسرائيل، لأن تستخدم الأسلحة التي تراها مناسبة لردع الخطر عليها. وقد ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن لدى إسرائيل القدرة على «كسر المعادلة» عبر استخدامها ما يسمى بـ»أسلحة يوم القيامة» وذلك في حال تعرضت لخطر وجودي من قبل دول المنطقة.

هي الفوضى التي بدأت معالمها تطل على المنطقة، وسط إصرار إسرائيلي على أن الحرب لن تقف إلا عند تحقيق أهدافها، وإصرار إيراني في المقابل، أتى على لسان وزير خارجية طهران عباس عراقجي في زيارته الأخيرة إلى لبنان، عندما اعتبر أن الحزب سيستمر في مساندة غزة، وإن بلاده مستعدة للسيناريوهات كافة. يسير نتنياهو بنظرية «الفوضى الخلاقة» التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، في بيروت عام 2006، لإعادة تشكيل المنطقة ومعادلة ردعها من جديد بما يتناسب مع الحضور الإسرائيلي فيها، تبارك الولايات المتحدة هذه الخطوة، لا بل تدعمها نحو النهاية. تحتاج أمريكا كما إسرائيل لنشر الفوضى، ومن يعتبر أن في ذلك تهديدا لمصالح أمريكا في المنطقة قد يكون مخطئا في مكان ما في حساباته. فالولايات المتحدة منذ أن قررت مع جورج بوش الأب عام 1990 العودة إلى المنطقة وهي تضع نصب عينيها مراكز الطاقة النفطية ومشتقاتها، لهذا يتوقف البعض من المتابعين للتهديد الذي أطلقه المسؤول في كتائب حزب الله العراقي أبو علي العسكري، من أنه «إذا بدأت حرب الطاقة سيخسر العالم 12 مليون برميل نفط يوميا». تسيطر حكومات المنطقة على معظم الشركات المستخرجة والمصدرة للنفط، على رأسها شركة سوناطراك المملوكة للدولة الجزائرية، وكذلك الأمر مع شركة أرامكو في المملكة العربية السعودية، وشركة النفط الوطنية العراقية، وغيرها كثر. هذا ما يزعج الولايات المتحدة، التي تفتّش عن مصادر لشراء النفط من السوق السوداء، حيث تكون الأسعار أرخص نسبة لعميات التهريب، كما هو الحال في حقول النفط في شرق سوريا، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في محافظة دير الزور، والتي تبيعها للولايات المتحدة بأسعار أدنى من سعر السوق. هي الفوضى المطلوبة، والحرب الواسعة المنتظرة، التي ستشمل إيران عاجلا أم أجلا، حيث لا مفرّ من المواجهة، في ظلّ عجز روسي على فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط، هو الغارق في الوحول الأوكرانية منذ أكثر من عامين ونصف العام، وحيث التنين الصيني الذي ما إن استيقظ حتى اصطدم بواقع في محيطه من دول تكن له العداء والمنافسة على رأسها الهند.

بدأت «حرب القيامة» التي أكد فيها نتنياهو على الانتصار، ذلك الرجل الذي لا يستمع لصراخ خصومه في الداخل، حيث صرح زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد مهددا نتنياهو بأنه يقود البلاد إلى الخراب. إذ لم تزل تلوح في أفق إسرائيل لعنة «العقد الثمانين» وهي قاب قوسين من تطبيق الاحتفال بمرور ثمانين عاما على تأسيس هذا الكيان. لا خلاف على أن نتنياهو استطاع فتح الحرب وهو قادر على تغيير اسمها رسميا كما يحلو له، إلا أنّ ما هو غير قادر على صناعته هو تحديد النهاية بما يلوح في ذهنه. فالحرب على ما يبدو طويلة، وهي تحمل الكثير من المفاجآت الميدانية، على رأسها قيام جماعة الحوثي بعد عام على عملية إسرائيل في غزة من إطلاق وابل من الصواريخ التي استهدفت تل أبيب رغم إعلان الجيش الإسرائيلي أن حربه في غزة انتهت. لا مسارات لأي تسوية تلوح في الأفق، ولا تنتظر المنطقة سوى التصعيد العسكري، فهل ستحمل «حرب القيامة» إسرائيل على استخدام «قنابل يوم القيامة» في حجّة الدفاع عن الوجود؟ أم أن فعلاً حرب إسرائيل تتوقف عند القضاء على حماس وتأمين عودة لمستوطني الجنوب والشمال، وأن سيناريوهات الفوضى والحرب الكبرى تبقى من نسيج كاتبيها؟ هذا هو ما سيحدده الميدان في وقت لاحق.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...