ذ.عبد القادر الفرساوي
في لحظات هدوئنا، عندما تبتعد أصوات الحياة المتسارعة وتغرق الروح في سكون، قد نفكر في تلك العلاقة الغريبة التي تربطنا بأجهزتنا الصغيرة التي لا تفارق أيدينا: هواتفنا المحمولة. هذا الكائن الصغير، الذي صار أكثر من مجرد وسيلة للتواصل، أصبح يرافقنا في كل لحظة، كأنه جزء منا، بل ربما جزء من أنفسنا. نغفو وهو في متناول أيدينا، نصحو على نغمة رنينه، ونعثر فيه على كل ما نريد من معلومات، مشاعر، وأحلام. أصبحنا نعتقد أن الحياة لا تستمر دون هذا الجهاز، وأن العالم، بكل ما فيه، يبقى معلقا في هواء لا نراه ما لم نكن متصلين به.
لكن، ماذا لو طال الموت وأصبح ذلك الهاتف هو الرفيق الذي لا نريد أن نفارقه حتى بعد أن تنقضِ حياتنا؟ هل سيسير الهاتف معنا إلى القبر؟ هل ستبقى تلك الرنة المزعجة تلاحقنا حتى في غياهب الأرض؟ وهل حقا يمكن أن نعيش في عالم آخر عبر شاشة صغيرة؟
في الزمان والمكان الذي قد يبدو غريبا، في قلب جنوب إفريقيا، كان هناك رجل يعتقد أن الروح قد تضل طريقها بعد الموت، وأن السحر قد يجعل الجسد يظل حيا في الظلام، مقيدا بين عالمين. لذلك، طلب قبل موته طلبا غريبا، لا يعكس سوى خوفه العميق من المجهول. كان يريد أن يُدفن مع هاتفه المحمول. ليس ليرسل رسالة أخيرة، بل ليبقى على اتصال، حتى لو استفاق فجأة في قبره المظلم، لعله ينجو بجرس رنين يوقظ روحه، أو بمكالمة تقطع الصمت وتعيده إلى الحياة. كان يعتقد أن الهاتف سيصبح بمثابة درع يحميه من السحر، وأملا في النجاة حتى بعد أن تصبح الحياة وراءه.
وتدريجيا، بدأت هذه الفكرة الغريبة تتسلل إلى أفكار آخرين، يتناقلها بعض الناس كما لو كانت صيحة للتمرد ضد الفناء. أينما ذهبت، في أستراليا أو إيرلندا، وفي بعض الأماكن النائية في الولايات المتحدة، بدأ الناس يحذو حذو ذلك الرجل، يحملون هواتفهم معهم إلى القبور. في قبر آخر، يتساقط التراب على جسد، بينما الهاتف، الذي كان يومًا ينبض بالحياة، الآن يستلقي بجواره بلا صوت ولا حركة، في عالم لا يصل إليه غير الصمت والظلام. لم تعد الأمور كما كانت، فحتى الموت لم يعد يقاوم التكنولوجيا.
إنه تحول، إذن. ليس مجرد تفكير في العادات القديمة التي كانت تملأ الأضرحة بالأسلحة والكنوز. لا. نحن أمام صورة جديدة من التعلق، من الارتباط الذي يتجاوز الجسد والعقل. هل أصبح الهاتف امتدادا لوجودنا في العالم؟ هل تعكس تلك الأجهزة الصغيرة مدى رغبتنا في الاستمرار في هذا الكون؟ أن نبقى متصلين، حتى لو كان هذا الاتصال مجرد خيط ضئيل، حتى بعد أن تغلق الأبواب خلفنا؟ أم أن هناك في هذا التعلق شيئا أعمق، شيئا يربطنا بالحياة، حتى ونحن نرحل عنها؟
لم يكن الأمر مجرد رغبة في البقاء متصلين بالأحياء، بل كان، ربما، محاولة لإبقاء الحلم قائما. في بعض الحالات، كان الهاتف يُدفن مع الميت ليس فقط من باب التقليد، بل لأن صاحبه كان يظن أن رنينه قد يكون، يومًا ما، جسرًا لعودة روح عادت لتعيش ثانية. وفي أحد الأضرحة في ولاية ساوث كارولينا، اكتشف أقارب ميتٍ أنهم قد وضعوا هاتفه في سترته قبل حرق جسده، فانتشرت فرقعة غريبة جراء انفجار بطارية الهاتف. كانت تلك اللحظة مرعبة ومؤثرة في آن واحد، وكأن الهاتف صار أداة للذكريات المتجددة، أداة لتحقق ما كان مستحيلا في السابق: ربط العوالم، تخطي الحدود، حتى تلك التي تفرضها لحظة الموت.
لكن في وسط هذه الحيرة، يبقى سؤالٌ مفتوح: هل حقا نحتاج إلى الهاتف حتى في الآخرة؟ هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ ربما نجد الإجابة في تلك الأجيال التي نشأت على فكرة الاتصال المستمر، التي باتت تربط وجودها بالزر الذي يضيء في كل مرة ينقض فيها اتصالٌ جديد. ربما، فقط ربما، تكون الهواتف، رغم كل شيء، مجرد وسيلة جديدة لنحاول إثبات أننا لم نغادر بعد. أن الروح، على الرغم من مغادرتها الجسد، لا تزال تتأرجح بين عالمين، وتحاول، بكل الطرق الممكنة، أن تظل متصلة.
ربما نعتقد جميعا، بطرق مختلفة، أننا يمكن أن نبقى في الذاكرة أو في اللحظة، وأننا، حتى في غيابنا، يمكننا أن نترك أثرا يستمر عبر الزمن. قد نعتقد أن الهاتف، ذلك الصديق الرقمي الذي لا يفارقنا، هو وسيلتنا للبقاء متصلين بالعالم بعد الرحيل. لكن الحقيقة التي لا مفر منها هي أن الموت ليس نقطة توقف مؤقتة، ولا هو رحلة يمكن إيقافها أو تأجيلها. فكما كان لنا أثرٌ في الدنيا، سنجد أنفسنا في الحياة الأخرى كما كنا هناك، بدون أي قناع أو جهاز، مجرد أرواح تطوف في فضاء الحقيقة.
لن يعود الموتى، مهما كثرت الوسائل والطقوس، إلى الحياة كما نشتهي. الموت هو الفاصل النهائي بين عالمين، ولن يمكن للهاتف أو الرسالة أن تعيد المتوفى إلى حياةٍ لم تعد له. فمن كان نافعا في الدنيا، سيجد النفع في الآخرة، وحينها لا مكان للتقنيات أو الأماني، بل لحسابات جادة مع النفس. ومن كان يعيش في غفلة أو يعامل الناس بتعال أو ظلم و يشتكي منه البلاد و العباد فلا يلومن الا نفسه.
الموت ليس نهاية الاتصال، بل بداية لقاء جديد مع ما كسبت يداك، وما زرعته في دنياك. لا هواتف، لا رسائل، لا إشعارات؛ فقط ما فعلته في أيامك هو ما سيبقى. وعلينا أن نستفيق من غفلتنا، ونتساءل: هل نريد أن نُدفن مع هواتفنا، أم نريد أن تُدفن أعمالنا التي ستظل تتحدث عنا في عالم لا تغطيه أي شبكة؟.





