بينما كان الشارع العراقي يترقب اسم الرجل الذي ستتفق عليه مكونات الإطار التنسيقي، أُعلن عن علي الزيدي مكلفا بتشكيل الحكومة الجديدة ليثير تساؤلات أكثر مما قدم من إجابات.
وفكك المحللون السياسيون خلال حلقة اليوم الثلاثاء من برنامج “ما وراء الخبر” أبعاد هذا الاختيار، محاولين الإجابة عن السؤال الأهم وهو: هل العراق أمام تغيير حقيقي في النهج، أم مجرد تغيير في الوجوه لإدامة النظام؟
فبعد أسابيع من التجاذبات والمناكفات بين مكونات الإطار التنسيقي، إذ رفض كل قطب التنازل للآخر، برز اسم الزيدي كـ”خيار ضرورة”، وفق وصف أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي.
واعتبر المحلل السياسي العراقي سيف السعدي أن الأهم من كونه شخصية شبابية بخلفية اقتصادية، هو أنه “خارج الصندوق السياسي التقليدي”، مما يجعله مقبولا شكليا كحل وسط لإنهاء الانسداد.
وطرح إياد العنبر إشكالية جوهرية؛ تكمن في أن الزيدي لا يمتلك حزبا سياسيا ولا كتلة برلمانية تدعمه، مما يجعله في موقف المحاصر بين الكتل التي رشحته.
ولفت الأكاديمي العراقي إلى أن هذا الوضع يطرح تساؤلا حول قدرته على اختيار كابينته الوزارية بحُرية، متسائلا عن مآلات هذا الأمر، فهل يترك الإطار له حرية الاختيار، أم سيولد الزيدي مقيدا بمطالب المحاصصة وتوزيع الحصص الوزارية كما جرت العادة؟
ويرى المحللون أن الكتل السياسية ما زالت تتعامل مع الوزارات كـ”استحقاقات انتخابية”، مما قد يجعل الزيدي مجرد مدير تنفيذ لمصالح الإطار بدلا من كونه رئيسا للوزراء بصلاحيات كاملة.
ما التحديات التي تواجهه؟
تحدث السعدي عن طبيعة جملة التحديات الإدارية والسياسية المعقدة التي تواجه علي الزيدي، والتي تبدأ بضيق المهلة الدستورية المحددة بثلاثين يوما لتشكيل الكابينة الوزارية والمنهاج الحكومي وسط
بيئة غير ممهدة وتجاذبات إقليمية ودولية حادة.
كما يصطدم الزيدي بطبيعة “المنظومة السياسية” و”الكارتلات” المتحكمة التي تحول الاستثناء إلى قاعدة وتعرقل أي معالجة حقيقية، فضلا عن معضلة الفساد الإداري وتهريب الدولار وسلاح الفصائل الذي يثير حفيظة المجتمع الدولي، وفق الفيلي.
ولعل التحدي الأعمق يكمن في افتقاره إلى الخبرة المهنية داخل مؤسسات الدولة، وكونه رئيسا مكلفا بلا حزب أو كتلة برلمانية، مما يجعله “محاصرا” بين إملاءات الكتل التي تطالب بحصصها الوزارية وبين طموحه في التغيير، وهو ما قد يحول دوره إلى مجرد “مدير عام” لإدارة مصالح الإطار التنسيقي بدلا من ممارسة صلاحياته كرئيس وزراء سيادي، وفق العنبر.
مباركة الفيتو
وعلى الصعيد الخارجي، اعتبر الأكاديمي عصام الفيلي أن نجاح الزيدي ليس رهنا بالتوافقات الداخلية فحسب، بل هو معلق بانتظار موافقة الفيتو الأمريكي. وتساءل الفيلي في قراءته للموقف الدولي عما إذا كانت واشنطن ستحذو حذو حلفائها في بريطانيا وفرنسا وألمانيا في مباركة هذا الاختيار، أم أنها ستذهب باتجاه تفعيل “الفيتو” السياسي ضد علي الزيدي.
ويرى المحللون أن الفيتو يظل سيفا مسلطا ومرتبطا بمدى استجابة الحكومة الجديدة لقائمة اشتراطات واشنطن الصارمة حيال ثلاثة ملفات شائكة، وهي:
- تهريب الدولار: ملف حساس يمس الاقتصاد الأمريكي الإسرائيلي المشترك.
- سلاح الفصائل: ومدى قدرة الحكومة على ضبطه.
- العلاقة مع إيران: موازنة النفوذ الإيراني مقابل الالتزامات الدولية.
ويعتقد المحللون أن واشنطن قد تمنح الزيدي “مهلة اختبار” لأشهر، تراقب خلالها جديته في التعامل مع هذه الملفات قبل اتخاذ موقف نهائي.
رهان الاقتصاد ضد واقع المحاصصة
وفيما يتعلق بأن الزيدي رجل ذو خلفية أكاديمية اقتصادية وقانونية، فإن الرهان الذي يسوقه الإطار التنسيقي هو النهوض بالاقتصاد. لكن الخبراء حذروا من أن المشكلة في العراق ليست في طبيعة الشخوص بل في طبيعة المنظومة السياسية.
فمنظومة المحاصصة التي حولت الاستثناء إلى قاعدة قادرة على ابتلاع أي وجه “تكنوقراط” إذا لم يمتلك الإرادة والقدرة على المواجهة، وفق السعدي.
وأشار المحللون إلى أن اختيار الزيدي كشف عن عمق الخلافات داخل الإطار التنسيقي، حيث فُضِّل لكونه وجها جديدا تماما على الوجوه التقليدية لتجنب الانفجار الداخلي. ومع ذلك، يظل التحدي: هل سيستطيع الزيدي الصمود لأربع سنوات أم أنه جاء فقط لتهدئة العاصفة وعبور مرحلة حرجة؟
وخلص المحللون إلى أن اختيار علي الزيدي يمثل محاولة من القوى السياسية لتقديم “تكنوقراط اقتصادي” لامتصاص النقمة الشعبية وتلبية المتطلبات الدولية، لكن الحقيقة الميدانية تشير إلى أن قيود المحاصصة والضغوط الإقليمية قد تجعل من مهمته “شبه مستحيلة” ما لم يحدث تغيير جذري في آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة العراقية.
المصدر: الجزيرة





