قربانٌ للظلام: مقتل البراءة في مدرسة السحر الأسود

 

 

 

 

 

ذ.عبد القادر الفرساوي

 

 

 

في تلك القرية الهندية العتيقة، التي تلتف حولها الحقول وتعلوها الأشجار كأنها حراس صامتون، استيقظ الصباح على نغمة مختلفة، نغمة مشوبة بالحزن والخوف. في المدرسة الداخلية التي كانت تُعَد ملجأً للأطفال الفقراء واليتامى، كان الطفل الصغير يرقد بلا حراك، وجهه الشاحب يتطلع نحو السماء عبر نافذة صغيرة، وكأنما روحه تعلقت بين عالمين، تتساءل عن السبب، عن الجريمة التي لم يكن فيها سوى ضحية، وعن حلم الطفولة الذي تلاشى مع أنفاسه الأخيرة.

اسمه دينيش باغهيل،كأنه من الأسماء التي تملأ صفحات شمس المعارف الكبرى، إنه المدير المهيب في هيئة المجتمع، لم يكن مجرّد شخص عادي. كان يحمل في أعماقه حزمة من التناقضات، ما بين احترام كاذب يخفي طمعه، وبين هدوء مخادع يخفي همسات شيطانية تدفعه إلى ارتكاب جريمة نكراء. كان الرجل قد تأثر بحكايات الجدات وكتب السحر القديمة، تلك الكتب البالية التي تحمل قصصًا عن قرابين بشرية وأسرار غامضة حول التضحية بالنفس. في تلك اللحظة، ربما كان باغهيل مقتنعا تماما أنه بفعله هذا سيرفع من شأن المدرسة، ويحقق ازدهارا لم يعرفه من قبل. أو ربما، في زاوية مظلمة من عقله، كان يعرف أنه يجسد شرورا مغلفة بالخرافة، وأنه يقدم ذاته قربانا لعزازيل نفسه.

جلس باغهيل تلك الليلة برفقة والده وثلاثة من المدرسين، كلٌّ منهم يعتمر ظلاما في قلبه، يتبادلون النظرات، يتوحدون في طقوس غريبة، تتسلل فيها همساتهم كأنها صلوات محرمة. وفي غرفته، كان الطفل النائم، الذي بالكاد يعرف عن السحر سوى ما قرأه في القصص الخيالية القصيرة، لا يدرك أنه موضوع تلك “الطقوس” الكريهة.

وفي اللحظة التي امتدت فيها يد باغهيل لخنق أنفاس الطفل، كانت كل الأشياء تتوقف، وكأن الزمن نفسه امتنع عن الحركة احتراما للحظة الموت. الهواء كان ثقيلا، والليل كان ساكنا، والأشجار خارج النافذة كانت تطل بفضول كئيب، كأنها شاهدة صامتة على هذا الطقس المشؤوم.

ولكن حتى في صمت الليل، كان هناك حفيف خافت، كأنه أنين من الأعماق، ينطلق من قلب القرية إلى السهول المحيطة، يصل إلى كل زاوية مهملة، إلى كل بيت منسي، كنداء أرواح قديمة تنتفض احتجاجا. تلك الليلة لم تكن كأي ليلة، كانت ليلة تمتزج فيها الخرافة بالواقع، والأسطورة بالحقيقة، وكان فيها الطفل مجرد قطعة أخرى من تلك الدوامة السوداء.

في صباح اليوم التالي، انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وبدأت جدران المدرسة ترتجف كأنها تأبى احتواء هذا السر. التلاميذ مجتمعون، البعض يبكي، و البعض يهدي والبعض يتسلق الحوائط ليشاهد بعينيه أثر الجريمة، ومدير المدرسة يحاول بخبث إخفاء ما جرى، يحمل جثة الطفل في سيارة قديمة، يتجه بها نحو طريق بعيد، آملا أن تبتلع الأرض جريمته. لكن قدرته على الكذب لم تكن أعمق من حقيقة الطفل التي لا يمكن إخفاؤها.

وصلت الشرطة، وكانت وجوه أفرادها مشدوهة أمام مشهد القسوة، يختلط فيها الطمع بالخرافة. كانوا يستجوبون المدير والمشتبه بهم، يسألونهم عن دوافعهم، عن اعتقاداتهم، عن الطقوس التي دفعتهم إلى ارتكاب هذه الجريمة. وعلى عتبات المدرسة، وقف الأهالي بقلوب تنبض بالغضب، تملؤها الأسئلة؛ كيف تحول هذا المكان الذي أودعوا فيه أبناءهم ليتعلموا وينجوا من صعوبات الحياة إلى مسرح لجريمة مروعة؟

لم تكن هذه الحادثة الأولى من نوعها. الحكايات المشابهة تمتد في تاريخ الهند، حيث لا تزال بعض القرى تعيش على إيقاع قديم، تتناقل قصص التضحية البشرية وكأنها جزء من تراثها.يذبحون الأطفال و يستحيون الأبقار. في هذه المنطقة النائية، ما زال الناس يتشبثون بمعتقدات تقيدهم كحلقات سلسلة لا فكاك منها، وفي بعض الأماكن يُعتقد أن قوى غامضة تحتاج لتضحيات و اهراق الدماء من أجل الرزق والرخاء.

في قلب هذا المشهد المفعم بالحزن والأسى، تقدمت أنيتا أغاروال، عضوة لجنة حماية حقوق الطفل، وسط حشد من الصحفيين، وجهها يشع بنار الغضب وعيناها تبرقان كشرر الحزن. رفعت صوتها بحزم مخلوط بمرارة الاستنكار، قائلة: “ما حدث هنا ليس مجرد جريمة، بل وصمة سوداء تلطخ جبين هذا المجتمع. هذه المدرسة التي كان من المفترض أن تكون منارة للعلم تحولت إلى مذبحة تنبعث منها روائح الخرافة والجهل. سنقاتل حتى يتم سحب الاعتراف بهذا المكان، فلا مكان للظلام حيث يجب أن يضيء النور.

ورغم التحقيقات، ورغم الحزن والغضب، كانت أرواح الضحايا السابقة تلوح كأطياف غير مرئية، تحوم في فضاء المدرسة، تهمس بألمها المتجدد، وتندب مصيرا لم يكن لها فيه خيار. كانوا مثل ذلك الطفل الصغير، ضحايا لثقافة لم تستطع أن تتحرر من قيود الماضي، ثقافة حملت الظلام معها جيلا بعد جيل.

ومع غروب الشمس في تلك الليلة التالية، بدأت القرية تغوص في هدوء ثقيل، لكن أصواتا خافتة كانت تصعد من أعماق البيوت، روايات عن الأرواح، وعن اللعنات،وعن الدماء التي سُفكت على مر العصور.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...