ذ.عبد القادر الفرساوي
في أمستردام، تلك المدينة العريقة التي طالما تغنّت بالحرية والحياد، اشتعلت شرارة غضب غير مألوفة، وكأن أصداء المعاناة الفلسطينية قد وجدت طريقها إلى شوارع هولندا الهادئة. ففي مباراة جمعت بين فريق أياكس الهولندي ومكابي تل أبيب الإسرائيلي، لم تكن الأجواء خالية من توترات الصراع السياسي، بل كان الملعب ساحة لامتداد الجراح والأصوات المتقاطعة التي تعود جذورها إلى أرض بعيدة ملتهبة بالصراعات.
بدأت الحكاية حين اجتمع مشجعو الفريق الإسرائيلي في شوارع أمستردام، لم تكن هتافاتهم بريئة كأي هتافات عادية بل كانت صاخبة، محملة برسائل استفزازية صريحة. رفعوا أصواتهم مرددين شعارات معادية، ومتنمرين على وجود أي رمز يعبر عن فلسطين. وبين الحشود، نزع أحدهم علم فلسطين من شرفة، كأنما يرفع راية أخرى لإعلان الهيمنة والسيطرة. تحول الأمر إلى ما هو أكثر من شغب رياضي؛ كان رسالة وقحة وعلنية ضد الهوية، ضد الوجود الفلسطيني، وضد كل من يتعاطف مع قضية عادلة، طالما هزّت قلوب العالم وشغلت عقول الأحرار.
ردود الفعل لم تتأخر، فكما كان مشجعو مكابي يجوبون الشوارع بجرأة، كانت الجماهير المحلية، من عرب وأتراك وغيرهم من المقهورين والغاضبين من السياسة الإسرائيلية، يراقبون الوضع بترقب، ومع كل خطوة مشحونة بالاستفزاز، كانت قلوبهم تنبض بالغضب الذي لا يجد منفذاً سوى المواجهة. لم يعد بالإمكان الصمت حين تُنتهك رموز القضية أمام العلن، وكأن التاريخ يعيد نفسه في ساحة أخرى بعيدة، لكن الرسائل واحدة والجراح واحدة.
واجهت الشرطة الهولندية صعوبة في احتواء الغضب المتصاعد. وبين الصيحات والهتافات، دخلت الجماهير المحلية في مواجهات مع مشجعي مكابي تل أبيب،وفي لحظات تحول المشهد إلى صدام، تخللته أصوات صراخ واشتباكات، ووسط كل ذلك، وقفت الشرطة بين الطرفين، محاولة فرض النظام وسط فوضى كانت في الحقيقة أكبر من أن تحتويها قوة القانون وحدها، لأنها كانت تتعلق بصراع عمره عقود، صراع لا يفهمه من لم يتذوق مرارته.
بينما كانت السلطات تسيطر على الوضع، خرجت تعليقات وتحليلات، ووجدت بعض وسائل الإعلام نفسها عاجزة عن نقل الحقيقة الكاملة، فلجأت كعادتها إلى تبسيط المشهد وتحويره؛ إذ تحولت الحوادث في بعض التقارير إلى مشهد “اعتداءات على مشجعين مسالمين” وصُورت المواجهات على أنها عنف بلا سبب من قبل جموع غاضبة ضد “اليهود المسالمين”، متجاهلين تماماً مسببات المشهد، وطبيعة الهتافات التي كانت تعيد إلى الذاكرة مشاهد من التعصب والكراهية.
وبينما كان هذا المشهد يحدث على أرض أمستردام، كان الرئيس الأمريكي جو بايدن يصف ما حدث بالـ”مشين” ويعبر عن “سخطه العميق” ضد “معاداة السامية”. وكذلك خرجت بعض الشخصيات الأوروبية بإدانات مشابهة، ربما تعبر عن توجهات سياسية أكثر من تعبيرها عن حقيقة الواقع. أما الهولنديون أنفسهم، كانوا يشاهدون الحقيقة بعيونهم، فهم يعرفون ما حدث، ويعرفون أن الغضب كان مبرراً أمام استفزازات مستمرة.
الواقع أن ما حدث في أمستردام كان أكثر من مجرد صدام بين مشجعين. كان هذا الصراع تعبيراً عن غضب دفين، غضب يحمل بين طياته قصص قهر لا يمكن أن تُحجب ببيانات سياسية مغلفة بالكلمات الرنانة. كان تجسيداً لصوت لا يزال يجد طريقه إلى شوارع أوروبا، رغم محاولات الإخماد والتعتيم.





