جهود مالك بدري في توطين علم النفس في عالمنا الإسلامي .الجزء الأول.

 

 

 

 

الدكتور هشام لعشوش

 

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

لا شك أن الحديث عن مالك بدري هو حديث ذو شجون، فكل من عرفه يؤكد أنه قبل أن يكون عالما مبرزا ومجدِّدا في مجال علم النفس الإسلامي، بقي كما كان على سجيته وفطرته السودانية الأصيلة، إذ لم يتخل يوما عن بساطته وعن تلقائيته وعفويته التي ميزت شخصيته، ظل وفيا لأصالته، يسكنه ذلك الطفل البريء الذي قادته الأقدار ليكون واحدا من كبار العلماء المؤسسين لعلم النفس الإسلامي.
اتفق كل من عرفه على أنه اتسم بنبل التعامل، ونقاء النفس، ودماثة الخلق، وحسنِ المعشر، وخفض الجناح، والتواضع ودوام الابتسامة، وجميل الدعابة…، كما أجمعوا على أنه خير معين على نوائب الدهر، وأفضل موجه وناصح، لم يتوان يوما في قضاء حوائج الناس، وهو أيضا العالم الذي لم يشتر بما تعلم دراهم معدودة، ولم يتخل عن شرف علمه ونبل رسالته، بل كان حريصا على خدمة العلم وأهله والدفاع عن المعرفة وروادها.

عندما تتأمل في حياة هذا الرجل، تدرك أنه من طينة خاصة، طينة تشكلت معالمها من خلال تجربة أسرية مميزة، فهو ينحدر من بيت علم وجهاد، والده هو المجاهد: بابكر بدري الذي لم يتوان في مقاومة الاستعمار، وانتقل بعد ذلك إلى معركة هي الأشد، تمثلت في جهاده ومقاومته للجهل، فكان ممن أسهموا بشكل فعال في ترسيخ أنموذج تعليمي رائد، كان من ثمراته هذا الهرم مالك بدري ومعه أجيال طافت بلاد الدنيا، حاملة مصابيح النور، سفراء لبلدهم ودينهم وثقافتهم.
وكما يقال: هذا السيل من تلك الغوادي… وهذه السحب من تلك الرياح؛ فإن مالك بدري يذكر ويثني على أستاذه: شيخ جبريل وعلى أستاذه سيد أحمد غاندي، كما يذكر أن غالبية أساتذته كانوا من جماعة الإخوان المسلمين، التي انخرط هو أيضا في هياكلها الدعوية وتلقف برامجها التربوية وتدرج في أسلاكها التنظيمية، قبل أن ينسحب من مكتبها التنفيدي بعد اختلافه مع تصورات المفكر الدكتور حسن الترابي رحمه الله تعالى، فأسس جماعة الغرباء بعد ذلك، والتي مهدت إلى دخوله عالم التصوف العرفاني.
لعل تجربته الصوفية بحسب رأيي أشبه في بعض جوانبها بتجربة الإمام أبي حامد الغزالي، فقد ولج هذا الطريق مدفوعا برغبة جارفة في سلوك درب الشوق والأنس والمعرفة بالله، بعدما خبر مجالات الشريعة وعلومها ومعارفها، فتتلمذ على يد الشيخ أبي القاسم في رفاعة.
هذه التجربة كان لها شديد الوقع على إبداعاته ونجاحاته في مجال أسلمة علم النفس وتوطينه في عالمنا العربي، مع ما يكتنف هذه العملية من حيثيات مرتبطة باختلاف نوازع النفس البشرية وكذا ما يختلجها وما يعتريها من مشاعر واضطرابات وقلاقل.
بهذه الخلفية العلمية، وبهذا النظر لأحوال الأمة، وبتمثل روح المتصوف الذي اتقدت في سويداء قلبه جمرة المشاعر الإنسانية المرهفة، وببساطة السوداني الأصيل، انطلق مالك بدري ليدرس علم النفس وفق ما تواضعت عليه أحدث النظريات الغربية التي عرفت نموا مضطردا بحسب حاجة المجتمعات الغربية المتزايدة لها، نظرا لحجم القلق السائد والممتد في كل مجالات الحياة.

ثابر مالك بدري ولم يدخر جهدا ليرتقي بمكانته الأكاديمية، فحصل على الدكتوراه سنة واحد وستين تسعمائة وألف، وشهادة التخصص في علم النفس السريري ست سنوات بعد ذلك، كما قاده سعيه لسبر أغوار هذا العلم إلى اندماجه وحصوله على عضوية الجمعية البريطانية لعلماء النفس، وعضوية جمعية أبحاث وعلاج السلوك بجامعة “تمبل” بأمريكا.
وبالعودة إلى جهود مالك بدري في توطين وتعزيز علم النفس الإسلامي، سواء كانت جهودا تنظيمية جمعوية او بحثية نظرية او حتى تطبيقات معملية سريرية، فإن البداية كانت بتأسيسه وترأسه لعدد من الجمعيات في السودان، كالجمعية النفسية السودانية، والجمعية الدولية لعلماء النفس المسلمين، ثم انطلق كذلك ليمتهن التدريس في عدد من الجامعات العربية والإسلامية، ومنها الجامعة الأمريكية ببيروت، والجامعة الاردنية، وجامعة الإمام محمد بن سعود، وجامعة الخرطوم وأم درمان والجامعة الإسلامية بماليزيا، وجامعة اسطنبول صباح الدين الزعيم.
مالك بدري الذي طالما حلم بدراسة هندسة الطيران، ربما لم يكن يعلم أنه سيحلق عاليا في سماء علم النفس شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وسينشر بذور هذا العلم في مناطق شتى من عالمنا العربي والإسلامي.
هو صاحب رسالة، أسعفه قلمه وفكره ليعبر عن تصوراته بأبلغ عبارة وأدق إشارة، كتب باللغتين العربية والانجليزية، وأسهم في تحرير عدد من الكتب والمجلات الدوريات العلمية، بدأت معالم توجهه الإسلامي تظهر بوضوح في الجامعة الأمريكية عندما وقف على حجم الصلف والانحياز والتجني على القيم الإسلامية في مادة الفلسفة الإسلامية، والتي كان جميع الطلبة مجبرون على تجرع قبيح ما تقدمه من أمثلة منتقاة بعناية عن رموز المجون والفسق وشرب الخمر من الأمراء والشعراء، وكذا تناولها لأحداث بعينها من تاريخ المسلمين مثل موقعة الجمل، واستشهاد الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وغيرها من الأحداث من زاوية إذكاء النعرات الطائفية وتقديم صورة مشوهة عن الإسلام وعن المسلمين.
كل هذا دفعه إلى الترافع عما يعتقده أمام أساتذته بكل قوة وصلابة، لينتقل بعد ذلك لإتمام رسالة الدكتوراه بعد حصوله على منحة أخرى من المجلس البريطاني…
أما عن منهجه الخاص في علم النفس، فهو بلا شك أسهم في تطوير منهج إسلامي أصيل، من خلال توليفة قاربت بين ما انتهى إليه الدرس النفسي في المدارس الغربية، ومن جديد ما توصلت إليه من طرق وآليات ووسائل، وبين ما تحصل لديه من فهوم وتصورات قرآنية، وهو إلى ذلك لم يخف تأثره بالإضافة إلى علماء المسلمين وإنتاجاتهم في هذا المجال مما هو مبثوت في كتب الثرات، والمدونات القديمات، والحفريات العتيقات، ببعض مفكري الغرب الذين تصدوا للتيار الجارف للمدارس التي راجت بضاعتها في سوق التحليل النفسي العالمي، كعالم النفس البريطاني “هانز إيسنك” والطبيب النفسي الجنوب أفريقي “جوزيف وولب”.

تبقى دراساته التي نشرها في “المجلة الأمريكية لعلم النفس” نقلة مهمة في مجال أساليب العلاج السلوكي، إذ آمن بما يمكن تسميته “بالنموذج الإنساني” لعلم النفس الذي يستند أساسا إلى الإصغاء والحوار مع المرضى، ولهذا عُد بحسب ما ذكرت نفس المجلة بالرائد الذي نقل العلاج من بعده السلوكي إلى المعرفي، فلم تقتصر جهوده على ما هو نظري فقط، بل سعى لتنزيل تصوراته وتطبيقها عمليا، وهو ما سجل فيه نتائج مذهلة، ساعدته أيضا لتقويم وتهذيب بعض المعطيات النظرية.
مالك بدري، وبعودته إلى التراث الإسلامي، كان قد وقع على كنز لم يُلتفت إليه، ولم يستفد منه كثيرا في مجال التحليل النفسي الحديث، وهو تراث وارف المبنى خصيب المعنى، ومن أمثلة ذلك مصنفات الإمام البلخي خاصة كتابه “مصالح الأبدان والأنفس”، وكتب الإمام الغزالي وابن قيم الجوزية وغيرهم من أهل التربية والسلوك، وكأن لسان حاله يقول: هاؤم اقرؤوا تراثية، خاصة لرواد المدارس الغربية وأتباعها في عالمنا الإسلامي، موضحا أن الإعراض عن هذا التراث هو ضرب من الجحود والنكران.
يقول رحمه الله تعالى في هذا السياق: “وقتي كله وجهدي مركز على أبحاث الأسلمة وأبحاث أخرى، ولله الحمد ما كتبته ترجم إلى لغات كثيرة؛ إلى التركية، والإندونيسية، والعربية، والبوسنية، وبعضها ترجم إلى السواحيلية، والإنجليزية.. وبعضها كتبته في السبعينيات وما يزال يعاد طبعه”…

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...