بريطانيا تبحث عن زعيم.. هل يتكرر مأزق بايدن مع ستارمر؟

إيطاليا تلغراف متابعة

قبل أقل من عامين، وصل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى السلطة متعهدا بإنهاء سنوات الفوضى السياسية التي عاشتها بريطانيا تحت حكم المحافظين، ومؤكدا قدرته على إعادة الهدوء والاستقرار إلى الحكومة بعد سلسلة رؤساء وزراء سقطوا تباعا.

ولكن بعد الهزيمة القاسية التي مني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، وجد رئيس الوزراء البريطاني نفسه محاصرا سياسيا بين تمرد داخلي متصاعد، ومطالبات علنية بالاستقالة.

وظهرت كذلك أصوات تقارنه بالرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي تمسك بالسلطة رغم تراجع شعبيته قبل أن يضطر في النهاية إلى الانسحاب تحت ضغط حزبه.

وتتساءل صحيفة نيويورك تايمز (New York Times) الأمريكية في تقرير وتحليل منفصل، عمّا إذا كانت بريطانيا قد تضطر إلى تغيير قيادتها مرة أخرى، وما إذا كان ستارمر يكرر المسار نفسه الذي انتهى بإقصاء بايدن من سباق الرئاسة الأمريكية عام 2024.

بين بايدن وستارمر

ويقدم مايكل شير، كبير مراسلي صحيفة نيويورك تايمز في المملكة المتحدة، تحليلا مطولا يقارن بين ستارمر وبايدن، ويرى أن الرجلين واجها النمط نفسه من التمرد الداخلي.

فكما تعرض بايدن بعد مناظرته الكارثية أمام الرئيس الحالي دونالد ترمب عام 2024 لضغوط متزايدة من داخل الحزب الديمقراطي للتنحي، يواجه ستارمر اليوم ضغوطا مشابهة من نواب وقيادات عمالية، يرون أن شعبيته المتراجعة تهدد مستقبل الحزب.

الخطر الحالي هو أن يؤدي تمسك ستارمر بالسلطة إلى فتح الطريق أمام صعود اليميني نايجل فاراج، كما أدى إصرار بايدن على البقاء إلى تعزيز فرص عودة ترمب

ويقول المراسل إن رد فعل الرجلين كان متشابها أيضا، إذ تمسك كل منهما بالبقاء، ورفض الاعتراف بأن الأزمة قد تكون أكبر من مجرد “عاصفة مؤقتة”.

وفي هذا السياق، ينقل التحليل عن الوزير المحافظ السابق روري ستيوارت قوله إن ستارمر “يتحول بسرعة إلى جو بايدن”، مضيفا أنه يعيش داخل “فقاعة” من المقربين الذين يكررون له أنه ما يزال الأفضل لقيادة البلاد والحزب.

ومن بين أبرز هؤلاء وزير الإسكان ستيف ريد، ووزير الدفاع جون هيلي، إضافة إلى الوزير دارين جونز الذي انتقد النواب العماليين الذين يهاجمون ستارمر علنا، ودعا إلى مناقشة الخلافات داخل الحزب بعيدا عن الإعلام.

لكن المراسل يحذر من أن هذا النوع من “الالتفاف الدفاعي” قد يتحول مع الوقت إلى عزلة سياسية تزيد من صعوبة قراءة الواقع الحقيقي داخل الحزب والشارع، وتفاقم أزمة الشعبية.

وبالتالي، فإن الخطر الحالي -برأي التحليل- لا يتعلق فقط بمصير ستارمر الشخصي، بل باحتمال أن يؤدي تمسكه بالسلطة إلى فتح الطريق أمام صعود اليميني نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح، تماما كما أدى إصرار بايدن على البقاء إلى تعزيز فرص عودة ترمب.

5 وزراء

وإذا ما أطاحت الأزمة الحالية بستارمر، فإنه سيصبح رئيس الوزراء السادس الذي يغادر منصبه خلال 10 سنوات.

وفي هذا السياق، تستعرض الصحيفة ذاتها -في تقرير بقلم ميغان سبيشيا- العقد الأخير من الحياة السياسية البريطانية، التي شهدت 5 قادة من حزب المحافظين، في واحدة من أكثر الفترات السياسية اضطرابا في تاريخ البلاد الحديث.

وفيما يلي القائمة الكاملة برؤساء الوزراء مع توضيح سبب نهاية حكمهم:

  1. ديفيد كاميرون (استقال عام 2016): دعا كاميرون إلى استفتاء حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، آملا في أن تبت الخطوة بالجدل حول المسألة، وتؤدي إلى البقاء داخل الاتحاد. لكن النتيجة جاءت عكس توقعاته بتصويت الشعب لصالح الخروج، فاستقال.
  2. تيريزا ماي (استقالت عام 2019): فشلت في التوصل إلى اتفاق لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحظى بدعم البرلمان وحزبها، مما أدى إلى تمرد داخل حكومتها أجبرها على الرحيل.
  3. بوريس جونسون (استقال عام 2022): غادر المنصب بعد سلسلة من الفضائح المدوية، أبرزها إقامة حفلات في مقر الحكومة أثناء إغلاق كورونا، مما أفقد حزبه الثقة في نزاهته.
  4. ليز تراس (استقالت عام 2022): لم تصمد سوى 49 يوما بعد أزمة خطتها الضريبية، التي أدت إلى فوضى عارمة في الأسواق المالية وانهيار قيمة الجنيه الإسترليني.
  5. ريشي سوناك (خسر الانتخابات عام 2024): خسر سوناك الانتخابات العامة أمام حزب العمال عام 2024، وانتهت بذلك سنوات من حكم المحافظين.

وترى الصحيفة أن حزب العمال وصل إلى الحكم أصلا باعتباره “النقيض” لهذه الفوضى، لكن الأزمة الحالية تهدد بتحويله بدوره إلى حزب يعيش دوامة تغيير القادة نفسها.

ويقول أستاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد توني ترافرز، إن بريطانيا “أصبحت مدمنة على الدراما السياسية المتعلقة برؤساء الوزراء”.

ويضيف أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة بعد الأزمة المالية العالمية، ثم تداعيات “بريكست”، جعلت الحكم “شبه مستحيل”، مما أدى إلى الأزمات الأخيرة.

ويذكر هنا أن العديد من التقارير تحدثت مؤخرا عن احتمال تشظي نظام الحزبين الرئيسيين في بريطانيا، وصعود أحزاب كانت على الهامش، مما ينذر بفوضى سياسية، ويشير إلى عواقب تراكم الأزمات على الشعب طيلة السنوات الماضية.

تمرد يتوسع

وقد بدأ التمرد الحالي داخل حزب العمال تدريجيا، عبر دعوات هادئة لإعادة تقييم القيادة، قبل أن يتحول إلى موجة علنية من المطالبات بالتنحي.

فبعد الانتخابات المحلية الأخيرة، بدأ عدد النواب العماليين الذين يطالبون برحيل ستارمر بالارتفاع بسرعة، حتى تجاوز 80 نائبا خلال أيام قليلة، بحسب متابعة وسائل الإعلام البريطانية.

كما استقال 4 وزراء مساعدين من الحكومة، في مؤشر على اتساع الأزمة داخل الحزب الحاكم.

ويؤكد تحليل نيويورك تايمز أن كثيرين داخل العمال باتوا مقتنعين بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بسياسات الحكومة فقط، بل بشخصية ستارمر نفسه، بعدما أصبحت شعبيته عبئا انتخابيا على مرشحي الحزب.

ورغم ذلك، ما يزال رئيس الوزراء البريطاني يرفض فكرة التنحي، مؤكدا قدرته على “إثبات خطأ المشككين” كما فعل سابقا عندما قاد الحزب للفوز بعد هزيمة 2019.

وتنقل الصحيفة عنه قوله إنه يتحمل مسؤولية خسائر الانتخابات المحلية، لكنه “يتحمل أيضا مسؤولية تنفيذ التغيير الذي انتخب الحزب من أجله”.

هل يصمد؟

ورغم تصاعد الضغوط، يؤكد تقرير نيويورك تايمز أن مستقبل ستارمر ما يزال غير محسوم.

فبعض قيادات الحزب تخشى أن يؤدي إسقاطه الآن إلى إدخال العمال في فوضى سياسية شبيهة بما عاشه المحافظون، والوقت غير مناسب لمخاطرة كهذه خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية في البلاد والتوترات الدولية.

كما أن النظام البرلماني البريطاني يجعل تغيير الزعيم أسهل بكثير من الأنظمة الرئاسية، لكنه لا يقدم بالضرورة حلولا للأزمات البنيوية التي تواجه البلاد.

وفي ظل استمرار التمرد الداخلي، وتصاعد الحديث عن بدائل محتملة داخل الحزب، تبدو بريطانيا مرة أخرى أمام السؤال الذي لازمها طوال العقد الماضي: هل يستمر حكم زعيمها رغم الأزمات، أم أنها تتجه نحو رئيس وزراء جديد؟

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...