تطور الكتابة على سطح الجدار..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور عَبْدُ اللَّهِ شنفار
المفكر والكاتب المغربي.

 

 

منذ القدم كانت الجِدار ولازالت؛ تشكل مساحة للكتابة والتعبير؛ وتفريغ المَكْبُوتات والأمراض النفسيّة من سب وشتم من طرف أعضاء المقاومة وجيش التحرير الوطني الشعبي للمستعمر، والعملاء والمتعاونين مع المستعمر والمحتل، وفي حق أستاذ اللغة الفرنسيّة الذي يكرهه التلميذات والتلاميذ، أو في حق الحارس العام، أو عناصر الشرطة والدرك؛ أو سب وشتم صديق لآخر، ونشر إشاعات حول سمعته والتشهير به، أو التعبير عن حب فتاة لم يستطع هوّ أو تستطع هيّ البْوح له أو لها بذلك علانيّة؛ ولم يقدرا على أن يُداريا هَواهُما ويكتمان سر حبهما؛ وكيف يداريان والهوى قاتل الفتيان وفي كل يومٍ قلبهما يتقطعان!؟ فيتمُّ التعبير عن ذلك وتفجيره بكتابة اسمها أو اسمه، مصحوباً بعبارة باللغة الإنجليزية (I love You) ورسم قلب منكسر يخترقه سكّيناً أو سهماً؛ على جدار أو باب المِرحاض العمومي، وجدار المؤسسات التعليمية… وغيرها.
وحتى تفجير المواهب الفنيّة في رسم لوحات إبداعية تكاد تخدع البصر في شكل ما يسمى بالجداريات. وكان النقش على سطح صخور الجدار وتاريخ فن ما قبل التاريخ (Gravure rupestre; Histoire de l’art préhistorique) من خلال رسم الحيوانات الأليفة والمفترسة، كالفيلة والزرافة… والطبيعة والشمس والقمر… وغيرها. وكل ما وصل إلينا؛ سواء من تلك الكتابات والرسوم والنقوش التاريخيّة، أو ما يتم اكتشافه في الصباح، أو بمناسبة دخول عمال النظافة؛ كان أصحابه مجهولي الهويّة، ولا تحمل توقيع أو أسماء أصحابها، كما هو الشأن حاليّاً مع جدار المواقع؛ حيث نجد حسابات وصفحات بأسماء وصور مستعارة؛ تحمل بصمة أو عنوان بروتوكول إليكترونية (Une adresse (IP) Internet Protocol)؛ لكن مجهولة المصدر هي أيضاً بسبب اللجوء إلى وسائل وتطبيقات إخفاء مكان ربط الاتصال أو ولوج الشبكة العنكبوتيّة.

تطور الجدار؛ فأصبح رقمياً؛ لكن ظل يحمل نفس المحتوى وأقوى من ذلك بشوية ويحمل وجهان:
1. الوجه المشرق؛ حيث نجد محتويات فكريّة مفيدة جداً، في مجالات المعرفة، ونشر الوعي والثقافة والأدب، والشعر والخواطر والتاريخ والفلسفة والوعظ والإرشاد النفسي والاجتماعي، والتربية والتعليم والعلوم… وغيرها.
2. الوجه المظلم؛ من سب وشتم، وتشهير، وترويح عن المكبوتات والأمراض النفسيّة المختلفة، ونشر الإشاعات والأكاذيب والدعاية، والتفاهة، مرفقة بالصور ومقاطع الفيديو، والإيحاءات الجنسية والجسدية في شكل (روتيني اليومي).

جرعة الحماسة الزائدة على مواقع التواصل الاجتماعي قد تقود صاحبها إلى التهلكة. ولعل من أشد اللحظات درامية تلك المتعلقة بِ: عُقدة الانتقال من حال إلى حال؛ والذي قد يكون مدمرًا؛ حينما يكون فجائيًا إذا لم ترافقه إجراءات آمنة ومدروسة. الفيلسوف (أفلاطون) في نظريته حول المعرفة المتضمنة في أبحاثه حول الفكر الأسطوري عند (أصحاب الكهف)؛ وضع محددات وشروط للانتقال الآمن من العتمة إلى النور والتوهج؛ حيث كان يقصد بذلك أن الخروج من الكهف المظلم والاستمتاع بنور الشمس الساطع لأول مرة؛ يقتضي مسارًا متدرجًا؛ بحيث أن الرؤية الفجائية قد تسبب العمى لصاحبها.
أمَّا حول الدروس المستخلصة؛ فقد كتب الدكتور محمد خمسي يومًا في سياق معين:
1. لا يوجد أي شخص له سلطة أو حق ملكية محفظة للجدار، حتى ولو كان رئيس الولايات المتحدة نفسه!
2. على صاحب الجدار أن يشتم برفق، وينتقد بذكاء في المساحة المتاحة له.
3. مفاتيح هذا الهامش من حرية التعبير والرأي؛ تخضع لقواعد وضوابط قانونية وأخلاقية؛ لم نُساهم، ولم نشارك نحن في صناعتها أو صياغتها. وبالتالي؛ فالآخر له القدرة ويملك كامل الصلاحية؛ على استعمالها واستخدامها كيفما ومتى شاء؛
• حواشي على هامش سلوك بعض إصبع اليد.. السَّبَّابَةُ (L’index)
إصبع السبابة؛ يلعب دورًا مهمًا في اليد؛ وله بعد روحي وديني في الثقافة الإسلامية.
لكن هذا الإصبع؛ الجزء الصغير من اليد؛ كثرة “النغيز” به؛ يمكن أن يخلق لصاحبه عدة مشاكل!
كيف ذلك؟
• فبواسطته نشير لمّا ننطق مفتاح الإسلام: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه)؛
• ونستعمله في التشهد كركن من الأركان التي لا تصح الصلاة في الإسلام إلا بها؛ ودفع الشيطان، ولهِيَ أشد عليه من الحديد؛
• ونسبح به لله وحده؛
• وننعت ونشير به إلى شيء ما ومكان ما وإلى شخص ما؛
• ونعلن به الشهادتين أمام الله أثناء الدخول في الصلاة وأثناء التوسط فيها وأثناء الخروج منها؛
• ويرفع كذلك من أجل النفي بما يفيد: لا؛
• ويشار به لما يذكر اسم الجلالة؛
• ويستخدم كذلك في تحريك زِر الهاتف والحاسوب؛
• ونضغط به على زر الزناد لإطلاق الرصاص؛
• ونخط به على الأرض والرمال من أجل الرسم؛
• ويساعد في مسح ولعق الماعون بعد الانتهاء من الأكل اللذيذ؛ (خاصة الكسكس المغربي المفتول باليد)؛
• يتم الاعتماد عليه في مسك الريشة والقلم؛
• وأثناء العزف على آلة العود، وإلا اختل توازن النغمة وانزلق إلى صوت نشاز.
• وبه يتم تركيب آلة قياس نسبة توتر ضغط القلب أو الدم.

ولكن إصبع السبابة يمكن أن يتسبب لبعض الأشخاص في مشاكل كثيرة؛ جراء كثرة النغيز به من خلال نشر التفاهات والإشاعات والأكاذيب والتشهير بالناس أو إرهابهم؛ أو سبهم وشتمهم أو الإساءة لسمعتهم؛ وعبر تقاسم الفيديوهات والصور والتسجيلات الصوتية والمنشورات الزائفة… -والعياذ بالله-!
يلعب أدوارًا كثيرة؛ وتتعدد الأدوار التي يقوم بها هاته الإصبع المتميزة في اليد التي تسمح بأن يظل صاحبه في سلم دائم مع الذات ومع الغير.
وقد يحدث أحياناً ويقوم جاره (إصبع الوسطى) بحركة انفرادية متهورة بذاته، وغير محسوبة العواقب، فيعلو على جميع أصابع اليد الأخرى؛ فيكون بذلك سببًا في عراك ومشادات بين شخصين أو أشخاص؛ وخاصة إذا اتجه إلى بعض الأمكنة الحساسة من الجسم؛ فيتدخل هذا الإصبع الوقور ليصلح ما أفسده إصبع الوسطى؛ نافيًا ذلك بالتأرجح، تأرجح البَنْدُول نافيًا ذلك الفعل الجرمي اللّا-أخلاقي عن جاره إصبع الوسطى. ويرجح أن هذا هو السبب في تسميته بالسبابة؛ لأنه يكون يتسبب في حدوث الكثير من الأمور التي تقوم بها حركة اليد، سلبية كانت أو إيجابية، وذلك أمام الشيخ الوقور (إصبع الإبهام) الذي لا حول ولا قوة له إلا المساعدة التي يقدمها له هذا المتمرد على جميع القواعد الطبيعية.
فهو أحيانًا يشخص ما تعيشه الروح أثناء التشهد من خشوع وانكسار. وأحياناً يصبح مجرد أداة طبيعية للكشف عن مكامن الألم في بعض مناطق الجسم. وأحياناً يصبح قائدًا يقود بقية الأصابع إلى إنجاز المهمة على أحسن ما يرام.

فالإشاعة والأكاذيب من إنتاج الشخص الخبيث، وسيناريو وإخراج الشخص الحاقد، ونشر وترويج من الشخص الحقير وتصديق مع الأسف من الإنسان الجاهل.
الدرس الرادع يكمن في أنه: في مكان ما؛ وفي أي قت ما شاء؛ هناك مَنْ بإمكانه أن يمحي صفحتي وصفحتك؛ وحسابي وحسابك؛ بالضغط على زر واحد فقط، وكأنها لم تكن يوما ما!

• الخلاصة:
الضيوف لا يشترطون أو يفرضون قواعد أو بروتوكولات اللعبة. وصبر أصحاب الجدار والموقع؛ إنما من أجل اكتشاف مجموعة من الأمراض النفسية؛ والتعرف أكثر على طبيعة العقل، وأنماط التفكير في العالم العربي-الإسلامي. ومن ضمنه أيضًا؛ الكشف والتشخيص المبكر لإيجاد طرق العلاج والحلول المناسبة والملائمة؛ بالنسبة لهم؛ وبطبيعة الحال من وجهة نظرهم هم!
لقد صدق أجدادنا حينما قالوا يومًا؛ وبكل وضوح: (المكسي بثياب الناس عريان.)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...